قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى..} مناقشة لدعوى سبب النزول (1)

المسألة:

 

قوله تعالى من سورة الأنفال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(1) هل صحَّ أنَّ الآيتين نزلتا في عتاب النبيِّ (ص) ومَن معه من المؤمنين، لأنَّه لم يقتل الأسرى يوم بدر بل قَبِل باستبقائهم وأخْذِ الفداءِ منهم مقابل إطلاق سراحهم؟

 

الجواب:

 

سبب النزول لدى مشهور العامَّة:

 

الآيتان من سورة الأنفال نزلتا بعد معركة بدرٍ الكبرى والتي انتصر فيها الرسول الكريم (ص) ومَن معه مِن المسلمين على مشركي قريش، وهذا المقدار لم يقع مورداً للخلاف بين المفسِّرين والمحدِّثين من الفريقين إنَّما الخلاف في مدلول الآيتين ومنشأ نزولهما، والذي عليه المشهور من علماء ومفسِّري العامَّة أنَّ الآيتين نزلتا بعد أنْ اتَّخذ الرسول (ص) قرار القبول بأخذ الفدية من الأسرى مقابل استبقائهم وإطلاق سراحهم، وكان قد اتَّخذ هذا القرار – بحسب دعواهم- بعد أنْ استشار المسلمين في ذلك، فأشار عليه أكثرُهم أو كانت رغبة أكثرهم القبول بأخذ الفدية، وأشار عليه عمر بن الخطاب دون غيره بقتلهم جميعاً، وقيل أشار عليه كذلك بما يقرب من هذه المشورة عبد الله بن رواحة إلا أنَّ الرسول (ص) كان يميل إلى الرأي الأول، ولذلك اتَّخذ قرار القبول بالفدية من الأسرى وهي أربعة آلاف درهم عن كلِّ أسير، وقيل أقل وقيل أكثر وقيل كان متفاوتاً(2) وكان عدد الأسرى – بحسب ما هو المعروف- سبعين أسيراً.

 

وبعد قبول الرسول (ص) بأخذ الفدية من الأسرى نزلت الآيتان تُعاتِبُ الرسولَ (ص) ومَن معه من المسلمين – بحسب زعمِهم - لقبولهم بالفدية طمعاً في عرض الحياة الدنيا، وكان عليهم قتلُ الأسرى جميعاً، وذلك لأنَّه لا يسوغُ استبقاء أسرى المشركين قبل أنْ تقوى شوكةُ المسلمين ويتمكَّنوا من بسط سلطانهم على الأرض، فهذا – بحسب رأيهم- هو مفادُ قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ..}   

 

وبهذا نزلتْ الآيتان بتخطئة الرسول (ص) ومَن معه من المسلمين فيما اتَّخذوه من قرار بشأنِ أسرى بدر، وفي ذات الوقت كشفت الآيتان عن صواب الرأي الذي أشار به عمر على الرسول (ص) ولهذا ورد أنَّه لو نزل عذابٌ من السماء على المسلمين بعد قرار أخذ الفدية لما نجا منه إلا عمر.

 

هذا حاصل ما أوردته رواياتُ العامَّة في شأن نزول الآيتين ونقتصرُ في المقام على نقل بعضِها رعايةً للاختصار:

 

الرواية الأولى: أوردها الواحدي النيسابوري في كتابه أسباب النزول بسنده عن ابن عباس قال: حدَّثني عمر بن الخطاب قال: لمَّا كان يوم بدر والتقوا فهزمَ اللهُ المشركين وقُتلَ منهم سبعون رجلاً وأُسر سبعون رجلاً، استشار رسولُ الله (ص) أبا بكر وعمر وعليَّاً، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العمِّ والعشيرة والإخوان، وإنِّي أرى أنْ تأخذَ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوَّةً لنا على الكفَّار، وعسى أنْ يهديَهم اللهُ فيكونوا لنا عضداً، فقال رسولُ الله (ص): ما ترى يا ابن الخطاب، قال: قلتُ والله ما أرى ما رأَى أبو بكر ولكنْ أنْ تمكنني من فلان قريبٍ لعمر فأضربُ عنقَه، وتمكِّن عليَّاً من عقيلٍ فيضربُ عنقَه، وتُمكِّن حمزةَ من فلانٍ أخيه فيضربُ عنقَه حتى يعلمَ اللهُ عزَّوجلَّ أنَّه ليس في قلوبنا موادَّةٌ للمشركين، هؤلاءِ صناديدهم وأئمتُهم وقادتُهم، فهوى رسولُ الله (ص) ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، فأخذَ منهم الفداء، فلمَّا كان من الغد قال عمر: غدوتُ إلى النبيِّ (ص) فإذا هو قاعدٌ وأبو بكر الصديق، وإذا هما يبكيان فقلتُ: يا رسولَ الله أخبرني ماذا يُبكيك أنتَ وصاحبُك، فإنْ وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإنْ لم أجدْ بكاءً تباكيتُ، فقال النبيُّ (ص): أبكي للذي عُرض على أصحابك من الفداء، لقد عُرض عليَّ عذابُكم أدنى من هذه الشجرة لشجرةٍ قريبة، وأنزل اللهُ عزَّوجلَّ:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى قوله - {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ (من الفداء) عَذَابٌ عَظِيمٌ} رواه مسلم في الصحيح عن هناد بن السرى، عن ابن المبارك ، عن عكرمة بن عمارة"(3)

 

الرواية الثانية: رواها أحمد بن حنبل بسنده عن أنس بن مالك قال: استشار رسولُ الله (ص) الناس في الأسارى يوم بدر فقال: إنَّ الله عزَّوجلَّ قد أمكنكم منهم قال: فقام عمرُ بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضربْ أعناقَهم، قال: فأعرضَ عنه النبيُّ (ص) قال: ثم عاد رسولُ الله (ص) فقال: يا أيُّها الناس إنَّ الله قد أمكَنكم منهم وإنَّما هم إخوانُكم بالأمس، قال: فقام عمرُ فقال: يا رسول الله اضربْ أعناقَهم فأعرضَ عنه النبيُّ (ص) قال: ثم عاد النبيُّ (ص) فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر فقال: يا رسولَ الله نرى أنْ تعفو عنهم وتقبلَ منهم الفداء، قال: فذهبَ عن وجهِ رسول الله (ص) ما كان فيه الغم، قال فعفا عنهم، وقبِل منهم الفداء، وأنزل الله عزَّوجلَّ: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الآية"(4)

 

الرواية الثالثة: أوردها الطبري في جامع البيان بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: "لمَّا كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسولُ الله ( ص ): ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومُك وأهلُك، استبقِهم واستأنِ بهم، لعلَّ اللهَ أنْ يتوبَ عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذَّبوك وأخرجوك، قدِّمهم فاضربْ أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلْهم فيه، ثم أضرمه عليهم ناراً .. قال: فسكتَ رسولُ الله (ص) فلم يُجبهم، ثم دخل فقال ناسٌ: يأخذُ بقول أبي بكر، وقال ناسٌ: يأخذُ بقول عمر، وقال ناسٌ: يأخذُ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله (ص) فقال... قال رسولُ الله (ص): أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتنَّ أحدٌ منهم إلا بفداءٍ أو ضربِ عنق.. قال: فأنزل الله: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ.. إلى آخر الثلاث الآيات(5)

 

مؤدَّى الروايات المذكورة:

 

والواضح من هذه الروايات وكذلك غيرها أنَّ الآيتين نزلتا في تخطئة الرسول الكريم (ص) فيما اتَّخذه من قرار القبول بأخذ الفدية من أسرى المشركين، وكان عليه أنْ يأمر بضرب أعناقهم جميعاً وأنْ لا يقبل بأخذ الفدية منهم. ولهذا فسَّروا قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أنَّه لا يسوغ لنبيٍّ من الأنبياء أنْ يستبقيَ أسيراً على قيد الحياة إلى أنْ تقوى شوكتُه، ويتمكَّنَ سلطانُه من الأرض، وأمَّا قبل ذلك فيجب عليه قتل الأسرى، ولا يسوغُ له استبقاؤهم وأخذُ الفدية منهم طمعاً في عرض الحياة الدنيا.

 

وأمَّا الآية الثانية وهي قوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فأفادت – بحسب رأيهم- أنَّه لولا أنَّ الله تعالى قد كتب على نفسِه أنْ لا يعذبَهم لكان قد أوقعَ فيهم عذاباً عظيماً لأخذهِم الفدية من أسرى المشركين.

 

الروايات مكذوبة لمنافاتها للقرآن وأصلٍ من أصول العقيدة:

 

إلا أنَّ الروايات التي استندوا إليها في تفسير الآيتين مكذوبةٌ دون ريب، وذلك لمنافاتها لأصلٍ من أصول العقيدة وهي عصمة النبيِّ الكريم (ص) عن الخطأ فيما يتَّخذه من قرار، ثم إنَّ الواضح من الروايات المذكورة أنَّ الرسول (ص) اتَّخذ قرار أخذ الفدية دون أن يستأمر في ذلك ربَّه، وهو منافٍ لصريح القرآن كقوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}(6) فليس من فعلٍ أو قرارٍ يتَّخذُه الرسول (ص) إلا وهو مستندُ إلى الوحي عن الله تعالى خصوصاً فيما يتَّصل بشؤون الدعوة، ثم إنَّ قرار أخذ الفدية نشأ بحسب هذا التفسير المستنِد على الروايات المذكورة على الطمع في عرض الحياة الدنيا كما قال تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} يعني أنَّ الباعث للنبيِّ (ص) على اتِّخاذ هذا القرار متمحِّضٌ في الهوى والرغبة في حطام الدنيا، وهي إساءةٌ شنيعةٌ للرسول الكريم (ص) مضافاً إلى مناقضة ذلك لصريح القرآن والذي نزَّه الرسولَ الكريمَ (ص) عن اتباع الهوى في مثل قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(7)

 

ودعوى أنَّ قوله تعالى:{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} لا تشملُ الرسول (ص) لا تصحُّ بناءً على التفسير المذكور، فإنَّ الذي اتَّخذ قرار أخذ الفدية إنَّما هو الرسول (ص) بل إنَّ اللَّوم والذمَّ إذا كان متَّجهاً لأحدٍ فهو متَّجهٌ للرسول (ص) خاصَّة أو له بالدرجة الأولى، فالمسلمون بحسب الروايات وإنْ كانت رغبتهم في أخذ الفدية لكنَّها رغبة الرسول (ص) أيضاً بحسب الروايات على أنَّ شأن المسلمين لم يكن يعدو الرغبة والمشورة، والقرارُ إنَّما كان بيدِ الرسولِ (ص) فهو بحسب الروايات مَن اتَّخذ قرارَ الأخذ للفدية، لذلك يكون قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} متَّجهاً إليه حصراً أو أنَّه أولى المسلمين -بمقتضى زعمِهم- بهذا اللَّوم وهذا الذم، ويُؤكد ذلك ما ورد في رواياتهم أنَّ العذاب كان قريباً منه ومن المسلمين ولو نزل العذاب لما نجا منه إلا عمر(8) .

 

ثم إنَّ لحن الآيتين خصوصاً الثانية ليس هو العتاب بل هو الذمُّ والتقريع، فمفاد الآية الثانية هو استحقاقُهم للعذاب العظيم لولا أنَّ الله تعالى قد كتب على نفسِه أن لا يُعذبهم، وعليه فالرسول الكريم (ص) بحسب هذا التفسير المستنِد إلى الروايات المذكورة مستحِقٌ -والعياذ بالله- للعذاب العظيم، وهو أمرٌ شنيع وفظيع: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}(9)

 

ولهذا يتعيَّن طرحُ هذه الروايات، والبناءُ على فساد التفسير للآيتين المستنِد إليها، وملاحظةُ ما يظهرُ من الآيتين بقطعِ النظر عن هذه الروايات المكذوبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-سورة الأنفال: 67، 68.

2- تفسير مجمع البيان- الطبرسي- ج4/ 494، المعجم الكبير- الطبراني- ج11/ 321، جامع البيان - الطبري- ج10/ 55، ج10/ 60.

3-أسباب النزول - الواحدي-ص 161، صحيح مسلم - مسلم النيسابوري-ج5/ 157. السنن الكبرى- البيهقي- ج6/ 321.

4- مسند أحمد - أحمد بن حنبل- ج3/ 243. الدر المنثور- السيوطي-ج3/ 201، السيرة النبوية- ابن كثير- ج2/ 457.

5-جامع البيان - ابن جرير الطبري- ج10/ 56. السنن الكبرى- البيهقي-ج6/ 321، المصنف - ابن أبي شيبة-ج8/ 476.مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1/ 383.

6- سورة الأنعام: 50.

7- سورة النجم: 3، 4.

8- تخريج الأحاديث والآثار - الزيعلي- نقل عن الواقدي أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر كان يقول اقتل ولا تأخذ الفداء وكان سعد بن معاذ يقول اقتل ولا تأخذ الفداء" ج2/ 39، الفتح السماوي- المانوي- من حديث ابن عمر:"لو نزل العذاب لما أفلت إلا ابن الخطاب" ج2/ 661، الدر المنثور- السيوطي- قال:وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر:".. ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ولو نزل العذاب ما أفلت الا عمر" ج3/ 203. وفي الرياض النضرة - المحب الطبري-قال: وفي طريق أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي عمر فقال : " لقد كاد يصيبنا في خلافك بلاء " .خرجه الواحدي في أسباب النزول" ج2/ 290.

9- سورة مريم:90.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد