
الشيخ محمَّد صنقور
ما هو المراد من قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾(1) فهل يفقد أصحاب النار حاسة السمع ؟ كيف وقد نصَّ القرآن في أكثر من موضع أنَّهم يخاطبون فيسمعون الخطاب ويجيبون عليه كقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾(2)؟
ذكر المفسِّرون أكثرَ من وجهٍ في مقام البيان لمعنى قولِه تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ وأقربُ هذه الوجوه لظاهرِ الآية المباركة هو أنَّها من قبيل الكناية التي يُراد منها الإخبار عن المَلزوم ولكن من طريقِ الإخبار عن لازمِه، فالمرادُ من قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ هو الإخبار عن الضجيج الذي ينبعث من حناجر سكَّان جهنَّم ومشاهد العذاب التي تدهشُ العقول لهولِها وأصداءِ الحديد ووسائل التعذيب وصوت الحِمَم والهدير الذي تُحدثه ألسنةُ النيران وأزيزُ لهبها وتطاير شظاياها، وقد وصف القرآنُ ذلك في العديد من الآيات كقولِه: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾(3).
فليس المرادُ من قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ أنَّهم يفقدون في جهنَّم حاسَّةَ السمع بل المراد أنَّ الأصوات التي تضجُّ منها أجواء جهَّنم تصكُّ الأسماع وتمنعُ من التمييز وتُصيب سكانَها بالذهول والدهشة وتشغلُ كلًا منهم بنفسِه حتى لا يكادُ يسمعُ مَن هو بجواره فلا يتميَّز له فحوى بثِّه وشكواه.
فمساقُ الآية هو مساقُ قولِنا مثلًا: قامتِ الحربُ بيننا فلمَّا حَميَ الوطيس صُرنا لا نسمعُ شيئاً، فالإخبارُ بعدم السماع ليس معناه الفقدانَ لحاسَّة السمع بل المرادُ منه الإخبار عن شدَّة الجلَبَة والضجيج المُنبِعث عن أصداء الحديد ورنَّة السلاح وأصوات المقاتلين وتزاجرِهم وصهيلِ خيولهم، فالمشتبكون في أرض المعركة لا تكادُ تتميَّز عندهم الأصواتُ لتداخلِها ولا يكادونَ يسمعونَ مَن يخاطبُهم ِمن خارجِها بل ولا مِن وسطِها.
فالتعبيرُ بقوله "لا يسمعون" غرضُه الإخبار عن الضجيج فهو إخبار عن اللازم وإرادة الملزوم، وهذا ما يُصطلَح عليه بالكناية في علم البلاغة، فالكنايةُ هي ذكرُ المتكلِّمِ للازم الشيء لينتقلَ السامعُ منه إلى مَلزومِه فيقولُ مثلًا زيدٌ يدخلُ المعركةَ مُبتسِمًا، فيفهمُ السامع أنَّه أراد الإخبار عن شجاعة زيد، إذ أنَّ لازم التبسُّم في الحرب هي الشجاعة والوثوق بالنفس. وكذلك حين تقولُ العربُ زيدٌ كثيُر الرماد فإنَّ الغرضَ من هذا الخبر هو الإخبار عن كرم زيد، إذ أنَّ كثرة الرماد تنشأُ عادةً عن كثرة طهي الطعام للضيوف، لذلك فإنَّ المُتلقِّي لخبر أنَّ زيدًا كثيرُ الرماد يفهمُ من هذا الخبر أنَّه رجلٌ كريم تقصدُه الضيوفُ فيُطعمُهم، فالإخبار عن كثرة الرماد في بيت زيد ليس مقصودًا بالذات بل قد يكونُ المُخبِر عالمًا بأنَّ بيت زيد يخلو من الرماد ومع ذلك يكون صادقًا في قولِه إنَّ زيدًا كثيرُ الرماد لأنَّه لم يقصد الإخبار عن كثرة الرماد في بيت زيد ولا فهِمَ منه المتلقِّي ذلك بل كان قاصدًا الإخبار عن كرمِ زيد وذلك هو ما فهِمه المتلقِّي لخبره وأنَّه أراد بذلك الكناية عن كرمِ زيدٍ وجوده.
وهذا هو المرادُ من قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ فليس المقصود منها نفي السمع عن أصحاب جهنَّم بل قصدتِ الآية ظاهرًا من نفي السمع الكنايةَ عمَّا يكتنفُ أجواءَ جهنَّم من أصواتٍ هائلة تصكُّ الأسماع وتبعثُ على الرُعب والرهبة وذهولِ سكَّانها عمَّا حولَهم كأنَّهم لا يسمعون.
وممَّا ذكرناه يتَّضح فسادُ ما أفاده عددٌ من المُفسِّرين من أنَّ المراد من الآية هو أنَّ الله تعالى يَبتلي سكَّان جهنَّم بالصَمَم، فمضافًا إلى منافاة ذلك لما أفادته العديدُ من الآيات كقوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾فإنَّ ذلك لا يتناسبُ مع كون الآية في مقام بيان شدَّة وقع العذاب على أصحاب النار فإنَّ المُناسب لذلك هو وجدانهم لملكة السمع، فوجدانهم لها أبلغُ في الشعور بالعذاب ولذلك قال الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾(4).
ـــــــــــــــــ
1- الأنبياء/100.
2- المدثر/42-47.
3- الملك/7.
4- الفرقان/12
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
ضوضائي العظمى
حبيب المعاتيق
منشغلاً بمستحيل ما
محمد أبو عبدالله
أولى انتصاراتي أن أريدا
أحمد الرويعي
السّيّدة المعصومة: كريمة بيت العصمة
حسين حسن آل جامع
على قدر عمقك يكون الغرق
علي الخويلدي
مقام الحبّ
فريد عبد الله النمر
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
زكي السّالم: (بأماسيك الشّعريّة: كيف تصبح مملًّا ممطًّا؟)
خطّة (عرش البيان) لتفعيل الحراك الأدبيّ وتطويره في سيهات
البوعلي تتحدّث حول فنّ إعادة كتابتها للرّواية
(أنا إلّا قليلاً): آل غريب يستعيد مسيرته الشّعريّة والأدبيّة والحياتيّة
مواجهة أهل القطيف لعنترة بن شدّاد
جاسم المشرّف: لا تفرطوا في كشف الخصوصيّات
المسجد الجامع ذو المنارتين في البلاد القديم
(الكهف الأظلّ) جديد الكاتب عبدالله النّصر
المهندس العيسى يقدّم فعاليّة «التّواصل.. المهارة المستهان بها» في نادي ابن عساكر
مجلس الصّفّار يحتفي بالمعتوق وإصداره حول جزيرة تاروت