قرآنيات

معركة بدر فرقانٌ في تكوين الأمة الإسلامية

الشيخ علي الكوراني

 

هدف معركة بدر

 

حدد الله هدف معركة بدر بقوله عز وجل: «ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَّكْفِيَكُمْ أَن يُّمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ . بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلامِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ . لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَللهِ مَا فِي لسَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (آل عمران 123- 129)

 

فالهدف: إهلاك طرفٍ، أي قطعة من قبائل قريش، وكبْتُ الباقين وهزيمتهم! وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: «أما بنو مخزوم فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين». (فتح الباري: 7 / 235).

 

ورووا عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ): «فقال من هم؟ قال: هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية، أخوالي وأعمامك! فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين». (فتح الباري: 8 / 287).

 

لكن معنى الآية: أن الله تعالى أراد أن يستأصل بعضهم سياسياً، ويخرجهم من ساحة الصراع مع الإسلام، بقتل زعمائهم! لذلك لم نرَ لهم أي دور مهم في التاريخ، وهم: بنو عبد الدار أصحاب راية قريش، وقد قتل علي (عليه السلام) منهم في بدر وأحُد بضعة عشر قائداً! كما استأصل الله بني المغيرة سياسياً، وهم العائلة المالكة في بني مخزوم، فقد انطفأت مخزوم بعد مقتل أبي جهل في بدر، ولم يبرز منهم إلا خالد بن الوليد! فعزله عمر سياسياً حتى مات في بيته في حمص، ثم برز بعده ابنه عبد الرحمن وأحبه أهل الشام، وطلبوا من معاوية أن يجعله ولي عهده، فقتله بالسم وبه انتهى بنو المغيرة سياسياً كلياً.

 

كما أراد عز وجل من معركة بدر أن يكبت الكافرين من قريش، أي يخزيهم بالهزيمة والأسر، ويمهل بعضهم ويتوب عليهم إن أسلموا وتابوا.

 

وقد عدَّهم الإمام الباقر (عليه السلام) من المُرْجَوْن لأمر الله فقال: «المرجَوْن: هم قوم قاتلوا يوم بدر وأحد ويوم حنين، وسلِموا، ثم أسلموا بعد تأخر، فإما يعذبهم وإما يتوب عليهم». (تفسير العياشي: 2 / 110).

 

ومعنى قوله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله): (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَئْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَللهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): أنه يجب أن تتبع إرادة الله تعالى لأن الأمر له، فهو صاحب العلم والحكمة المطلقيْن، وله أهداف في الإنسان بقانون صراع الخير والشر.

 

سمى الله بدراً يوم الفرقان

 

أي في تكوين الأمة المسلمة، لأنه ميزها عن المشركين، قال تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَئْ قَدِيرٌ). (الأنفال: 41).

 

فهي الفرز الاجتماعي الضروري لتكوين أمة الإسلام وتمييزها عن غيرها، حتى لو حدث فيها اختلاط بعد ذلك. ففي الأصول الستة عشر / 86 أن الإمام الصادق (عليه السلام) قال عن بدر: «هو الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وهو اليوم الذي فرق الله بين الحق والباطل، وإنما كان قبل ذلك اليوم هذا كذا، ووضع كفيه أحدهما على الآخر. وإنما كان (صلى الله عليه وآله) يومئذ خرج في طلب العير. وأهل بدر الذين شهدوا إنما كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً، ولم يريدوا القتال إنما ظنوا أنها العير التي فيها أبو سفيان، فلما أتى أبو سفيان الوادي نزل في بطنه عن ميسرة الطريق، فقال: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى. قلت له: ما العُدوة الدنيا؟ قال: مما يلي الشام، والعدوة القصوى: مما يلي مكة. قلت: فالعدوتان بين ضفتي الوادي؟ فقال: نعم. قال أبو عبد الله (عليه السلام): ونادى الشيطان على جبل مكة: إن هذا محمد في طلب العير، فخرجوا على كل صعب وذلول».

 

والراوي مهتم بالمكان، والإمام (عليه السلام) يقصد الفرز الاجتماعي العقائدي، ولأهمية هذا الفرقان خلده الله تعالى في شريعته، فكانت ليلة بدر ويومها من الأوقات الفضيلة، تستحب فيهما العبادة والغسل: «ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وهي ليلة التقى الجمعان». (الحدائق: 4 / 180).

 

وفي الطبراني الكبير: 9 / 221: «التمسوا ليلة القدر لسبع عشرة خلت من رمضان صبيحة يوم بدر يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان. وفي إحدى وعشرين، وفي ثلاث وعشرين، فإنها لا تكون إلا في وتر».

 

بدر فرقانٌ في تكوين شيعة العترة

 

فقد شرع الله الخمس لقرابة نبيه (صلى الله عليه وآله) قبل بدر، لكنه ربطه بالإيمان بما أنزل يومها: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَئْ قَدِيرٌ). يقول عز وجل: أيها المختلفون على الغنائم، المتهمون لنبيهم (صلى الله عليه وآله) بأنه غلَّ وسرق منها! إنكم مدينون بوجودكم وانتصاركم لمحمد (صلى الله عليه وآله) وقرابته «عليهم السلام»، فاعلموا أن لهم خمس ما غنمتم إن كنتم مؤمنين بما عاينتم! ألا ترون أن الملائكة وبني هاشم هم الذين حققوا النصر، فلولاهم لما كنتم أمة ولا دولة؟!

 

وفي تحف العقول لابن شعبة الحراني «رحمه الله» / 341: «فلما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة أنزل الله عليه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى..).

 

قال البيضاوي: 3 / 109: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ: متعلق بمحذوف دل عليه: وَاعْلَمُوا. أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء، فسلموه إليهم».

 

وفي الكافي: 8 / 63: « ِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، فنحن والله عنى بذي القربى، الذين قرننا الله بنفسه وبرسوله (صلى الله عليه وآله)».

 

وفي كتاب سُلَيْم بن قيس «رحمه الله» / 228: «قال سُلَيْم: ثم أقبل «علي (عليه السلام)» على العباس وعلى من حوله ثم قال: ألا تعجبون من حبسه وحبس صاحبه عنا سهم ذي القربى الذي فرضه الله لنا في القرآن؟ وقد علم الله أنهم سيظلموناه وينتزعونه منا فقال: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ».

 

فالفرقان في سورة الفرقان بثلاث معان: فرقان الأمة وتمييزها عن غيرها. وفرقان الموالين للنبي (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته من الأمة. وفرقان البصيرة للمؤمن ليميز بين الحق والباطل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا). (الفرقان: 29).

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد