
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ..
إنّ زوجة زكريّا وأُم مريم كانتا أُختين، وكانتا عاقرين، وعندما رزقت أُمّ مريم بلطف من الله الذرية الصالح، ورأى زكريّا خصائصها العجيبة، تمنّى أن يرزق هو أيضًا ذرّية صالحة وطاهرة وتقيّة مثل مريم، بحيث تكون آية على عظمة الله وتوحيده. وعلى الرغم من كبر سن زكريّا وزوجته، وبُعدهما من الناحية الطبيعيّة عن أن يرزقا طفلاً، فإنّ حبّ الله ومشاهدة الفواكه الطرية في غير وقتها في محراب عبادة مريم، أترعا قلبه أملاً بإمكان حصوله في فصل شيخوخته على ثمرة الأُبوّة، لذلك راح يتضرّع إلى الله ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾(1).
بشارة ولادة يحيى
لم يمض وقت حتّى أجاب الله دعاء زكريّا.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾(2).
وفيما كان يعبد الله في محرابه. نادته ملائكة الله وقالت له إنّ الله يبشّرك بمولود اسمه يحيى بل إنه لم يكتفوا بهذه البشارة حتّى ذكروا للمولود خمس صفات:
أولاً: سوف يؤمن بالمسيح ويشدّ أزره بهذا الإيمان: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ﴾(3). و(كلمة الله) هنا وفي مواضع أُخرى من القرآن سيرد شرحها تعني المسيح (ع)- وقد جاء في التاريخ أنّ يحيى كان يكبر عيسى ستة أشهر، وكان أول من آمن به. وإذا كان قد اشتهر بين الناس بالطهر والزهد، فقد كان لإيمانه هنا بالمسيح تأثير كبير على الناس، في توجيههم وحثّهم على الإيمان به.
وثانيًا: سيكون من حيث العلم والعمل قائدًا للناس ﴿وَسَيِّدًا﴾، كم أنّه سيحفظ نفسه عن الشهوات الجامحة وعن التلوّث بحبّ الدنيا. ﴿وَحَصُورًا﴾.
والرابعة والخامسة من مميزاته أيضًا أنّه سيكون ﴿نَبِيًّا﴾ وأنّه ﴿مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾.
فلما سمع زكريا بهذه البشارة غرق فرحًا وسرورًا، ولم يمتلك نفسه في إخفاء تعجبّه من ذلكن فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾(4) فأجابه الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾(5) فلما سمع زكريا هذا الجواب الموجز الذي يشير إلى نفوذ إرادته تعال ومشيئته، قنع بذلك(6).
آية على ولادة يحيى
هنا يطلب زكريّا من الله إمارة على بشارته بمجيء يحيى. إنّ إظهار دهشته وكذلك طلب علامة من الله، لا يعنيان أبدًا أنّه لا يثق بوعد الله، خاصّة وأنّ ذلك الوعد قد توكّد بقوله: ﴿كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾. إنَّما كان يريد زكريّا أن يتحوّل إيمانه بهذا إيمانًا شهوديًا. كان يريد أن يمتلئ قلبه بالاطمئنان، كما كان إبراهيم يبحث عن اطمئنان القلب والهدوء الناشئين عن الشهود الحسّي.
﴿آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾(7).
أجاب الله طلب زكريّا هذا أيضًا، وعيَّن له علامة، وهي أنّ لسانه كفّ عن الكلام مدّة ثلاثة أيّام بغير أيّ نقص طبيعي، فلم يكن قادرًا على المحادثة العادية. ولكن لسانه كان ينطلق إذا ما شرع يسبّح الله ويذكره. هذه الحالة العجيبة كانت علامة على قدرة الله على كلّ شيء. فالله القادر على فكّ لجام اللسان عند المباشرة بذكره، قادر على أن يفكّ عقم رحم امرأة فيخرج منه ولدًا مؤمنًا هو مظهر ذكر الله. وهكذا تتّضح العلاقة بين هذه العلامة وما كان يريده زكريّا.
وفي الوقت نفسه يمكن أن تحمل هذه العلامة معنى آخر طيّاتها، وهو أنّ إلحاح زكريّا على طلب العلامة والآية وإن لم يكن أمرًا محرمًا ولا مكروهًا- كان من نوع (ترك الأولى). لذلك قرّر له علامة، إضافة إلى ما فيها من بيان لقدرة الله، طافحة بالإشارة إلى تركه للأولى.
وهب الله له ولدًا شبيهًا بعيسى بن مريم في كثير من الصفات: في النبوّة وهما صغيران، وفي نعمى اسميهما (عيسى ويحيى كلاهما بمعنى البقاء حيًّا)، وفي تحية وسلام الله عليهما في المراحل الثلاث: الولادة، والموت، والحشر وجهات أخرى.
ــــــــــــ
1- آل عران/38.
2- آل عمران/39.
3- نفس المصدر.
4- آل عمران/40.
5- نفس المصدر.
6- قد يسأل سائل: لماذا استولى العجب على زكريّا مع أنّه عالم بقدرة الله التي لا تنتهي؟
يتّضح الجواب بالرجوع إلى الآيات الأُخرى. كان يريد أن يعرف كيف يمكن لامرأة عاقر خلفت وراءها سنوات عديدة بعد سنة من اليأس- أن تحمل وتلد؟ ما الذي يتغيّر فيها؟ أترجع إليها العادة الشهرية كسائر النساء المتوسّطات العمر؟ أم أنّها ستحمل بصورة أُخرى؟
ثم إنّ الإيمان بقدرة الله غير (الشهود والمشاهدة). زكريّا كان يريد أن يبلغ إيمانه مبلغ الشهود، مثل إبراهيم الذي كان مؤمنًا بالمعاد، ولكنّه طلب المشاهدة. كان يريد أن يصل إلى هذه المرحلة من الإيمان. وأنّه لأمر طبيعيّ أن يفكّر الإنسان، إذا ما صادفه أمر خارق للقوانين الطبيعية في كيفيّة حصول ذلك، ويودّ لو أنّه رأى دليلاً حسّيًا على ذلك.
7- آل عمران/41
مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية
عدنان الحاجي
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (2)
محمود حيدر
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الشيخ جعفر السبحاني
في معنى الصدق
السيد محمد حسين الطبطبائي
معنى (فزع) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نحن لا نخشى غير الله (2)
الشيخ علي رضا بناهيان
المجاز قنطرة الحقيقة
الشهيد مرتضى مطهري
اختلاف الألسن واللّغات
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
الإمام الصادق: بهاء مزّقه السّمّ
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
مدى فعالية علاج التهاب مفصل الركبة بالحقن بحسب مراجعة علمية
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (2)
مقام عظيم
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (15)
(موهوب في منظّمتي) جديد الكاتبة خيريّة الحكيم
(لماذا لا أنجح في التّغيير؟) ورشة تدريبيّة لجمعيّة أم الحمام الخيريّة
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإمام الصادق: بهاء مزّقه السّمّ
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (1)
في معنى الصدق