مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، ولد في مدينة يزد في إيران عام 1935 م، كان عضو مجلس خبراء القيادة، وهو مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، له مؤلفات و كتب عدیدة فی الفلسفة الإسلامیة والإلهیات والأخلاق والعقیدة الإسلامیة، توفي في الأول من شهر يناير عام 2021 م.

علّة وداع شهر رمضان المبارك وأهمّيته (2)

المبادئ النظريّة للثقافات ومصدرها الصحيح أو الخاطئ

 

وقوع الخطأ في الاستدلالات العقليّة أو الاستنباطات الشرعيّة قد يكون سببًا لإنشاء مجموعة من العادات والتقاليد الخاطئة. فإذا لم يُؤدّ العقل، الذي يقع على عاتقه وضع هذه العادات والتقاليد، وظيفته بشكل صحيح، أو أنّ الـمُستَنِدَ في معرفة من المعارف إلى الوحي قصّر أو أخطأ في فهم هذا الوحي، فإنّ هذا الخطأ قد يكون سببًا في إيجاد عادات وتقاليد مجانبة للصواب ومخالفة لما يقتضيه كلّ من العقل والوحي.

 

فعند الاستعانة بالعقل، يتعيّن في العديد من الموارد إقامة الدليل، ومن الممكن وقوع الخطأ عند صياغة الاستدلال، كالأخطاء التي يُبحث عنها في باب المغالطات من المنطق. وعليه، قد يسلك العقل جرّاء وقوعه في الخطأ مسارًا خاطئًا في الموضع الذي تقع فيه على عاتقه مهمّة القيادة. كما أنّ هذا الخطأ قد يقع في المجال الديني أيضًا، وذلك حينما يتعامل الذين لا يسلكون طريقًا ومنهجًا قويمًا في الفقه وفهم الدين مع المصادر الدينيّة بنحو سطحيّ، فرغم كونهم يفتقرون للكفاءة اللازمة، إلّا أنّهم يستعجلون في الحكم، ويُصدرون فتاوى متسرّعة، أو أنّهم يُخطئون في الاجتهاد بسبب نقص المصادر، أو لأيّة علّة أخرى، حيث يعملون في الحقيقة على وضع أسس خاطئة لبناء العادات والتقاليد.

 

فإذا صارت هذه الأخطاء الواقعة في مجال النظريّات العقليّة والدينيّة مصدرًا لتبلور العادات والتقاليد، فإنّ هذه العادات والتقاليد ستكون خاطئة. وعلى العكس من ذلك، إذا أحسن العقل أداء وظيفته في الهداية، وتمكّن جيّدًا من السيطرة على العواطف، فإنّه سيقوم حين ولوجه إلى المجتمع بتوفير أسس صلبة تقوم عليها الاعتبارات الاجتماعيّة، ويُساهم في تبلور عادات اجتماعيّة مفيدة.

 

فكما نعلم، تندرج العادات والتقاليد في مقولة الثقافة، فتُشكّل العادات والتقاليد المختلفة ثقافات مختلفة. وهنا، تتّضح الإجابة على السؤال التالي: هل نحن نمتلك ثقافة خاطئة أم لا؟ حيث بوسعنا القول في الجواب: ينبغي علينا البحث عن مصدر تشكّل العادات والتقاليد الاجتماعيّة التي تتبلور في الثقافات الفرعيّة، فإذا أدّى العقل المهمّة الملقاة على عاتقه في مجال وضع الأسس والقواعد بنحو جيّد، وتمكّن من توفير مبادئ صحيحة عند صياغة العادات والتقاليد، بحيث تتشكّل هذه العادات والتقاليد الاجتماعيّة وفقًا لما يقتضيه العقل والشرع، فإنّ الثقافة هنا ستكون صحيحة، وإلا ستكون خاطئة.

 

ومن باب المثال، جاء في القرآن الكريم أنّ الأنبياء حينما خطّؤوا المشركين وعبّاد الأوثان، ونهوهم عن عبادة الأصنام، فإنّ هؤلاء أجابوهم بقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُهْتَدُون‏﴾؛ وباصطلاح سوسيولجيّ، إنّهم ردّوا عليهم بأنّ هذا العمل يندرج في ضمن عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعيّة، ويُشكّل جزءًا من هويّتنا الاجتماعيّة، حيث كان آباؤنا وأسلافنا يؤدّون الأعمال ذاتها، وقد كان مجتمعنا يحترمهم ويُقدّسهم. وعليه، فإنّ المراد من الآية الآنفة الذكر أنّ عبادة الأوثان قد برزت في تلك المجتمعات على شكل ثقافة؛ فأصل هذه العبادة يرجع في جذوره إلى أفكار خاطئة صارت مصدرًا لعواطف اجتماعيّة ودينيّة خاطئة، ممّا أفضى إلى ظهور ثقافة فاسدة. ولهذا، فقد كان الأنبياء (عليهم السلام) يقولون: “هل يجب عليكم اتّباع آبائكم، ولو كانت أعمالهم مخالفة للعقل والحقّ؟”.

 

حبّ الله تعالى منشأ لحبّ شهر رمضان المبارك

 

ولنعُد الآن إلى البحث عن مسألة توديع شهر رمضان المبارك وأهمّيتها. فنحن – بصفتنا منتمين للأمّة الإسلاميّة – لا نُدرك عظمة الله تعالى إلّا بمقدار ما نعرفه. وعندما نتعرّف على النعم الإلهيّة، فإنّ محبّة البارئ عزّ وجلّ تنبثق في قلوبنا شئنا أم أبينا، فلا يُقال في علم النفس لهذا النوع من العلاقة مع الله تعالى عاطفة، بل حقيقتها هي المحبّة. وإننا نؤدي على أساس هذه المحبة مجموعةً من الأعمال، بعضها يُدرك العقل ارتباطه بهذه المحبّة، فيُجيزه؛ لكنّ معظمها يخرج عن حيطة العقل، فيكون الله تعالى ورسوله هما المحدّدان له. إنّ هذه العلاقة حاضرة في كافّة سلوكياتنا الاجتماعيّة وتقاليدنا الدينيّة، كما أنّنا قادرون على اكتشافها.

 

فجميع هذه الأمور تُساهم – بنحو ما – في هداية القوى المحرّكة التي غرسها الله تعالى في وجودنا، حيث إنّ هذه القوى لا تتمتّع – بحدّ ذاتها – بالشعور والإحساس، كما أنّها لا تقدر على تحديد اتّجاهها وحدودها الخاصّة، بل هي لا تصير فعّالةً، ولا تتعيّن حدودها، إلّا بواسطة العقل والوحي. يقول الله تعالى لعباده: “عليكم أن تسعوا في كلّ سنة ولمدّة شهر واحد إلى تعديل غرائزكم المرتبطة بالأفعال الحيوانيّة (الأكل والشرب والنكاح و…) وفقًا لما ورد في أحكام الصوم”؛ فهذه هداية وهبها الله تعالى لنا لكي نتمكّن عن طريقها من تعديل القوى المحرّكة في باطننا.

 

ومن هنا، يُعدّ صيام شهر رمضان المبارك من الأسباب التي تُساهم في تحقيقنا للسعادة؛ ومن الطبيعيّ – والحال هذه – أن نُحبّ كلّ شيء يُفضي إلى سعادتنا، حيث تنشأ هذه المحبّة من محبّة الله تعالى. فمحبّة الله تعالى تتفرّع عنها محبّة دينه، ومحبّة دين الله تنشأ منها محبّة أحكام الدين، كما تنبع من محبّة هذه الأحكام محبّة متعلّقاتها (نظير زمان ومكان تطبيقها). وبهذا، فإنّ شعاع المحبّة الإلهيّة يُشرق إلى أن يصل إلى شهر رمضان المبارك؛ فكلّما قويت هذه المحبّة، ازدادت محبّة الدين، والشعائر الإسلاميّة، وشهر رمضان المبارك، والصيام، و…، وتُعدّ هذه المعادلة طبيعيّة.

 

نعم، يبقى أنّ أفراد الإنسان لا يتساوون، فممّا لا شكّ فيه أنّ معرفتنا بالله تعالى والشعائر الإسلاميّة ومحبّتنا لهما لا يُمكن مقارنتها بمعرفة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ومحبّتهما، إذ يوجد بيننا وبينهم فارق شاسع في هذا المجال، بحيث لو أدركنا هذا الفارق بحقّ، قد نُصاب باليأس من أنفسنا. ولهذا، من الأفضل أن لا نُفكّر كثيرًا في حساب هذا الفارق.

 

يقول أئمّتنا المعصومون (عليهم السلام): “خياركم بالنسبة إلينا مثل نور أصغر نجمة بالنسبة إلى نور الشمس”. ومن ناحية ثانية، فإنّنا – نحن الناس العاديّون وغير المعصومين – نختلف مع بعضنا من حيث معرفتنا بالله تعالى ومحبّته أيضًا، فبعضنا ثبتت أقدامهم في مقام العمل، فتجدهم مستعدّين للتضحية بأرواحهم في سبيل الحفاظ على حكم إلهيّ واحد؛ لكنّ البعض الآخر لا يُقدّم أيّ شيء لدين الله تعالى بأجمعه، بل تراه يصحب الدين ما دام لم يوقعه في أيّ تعب أو مشقّة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد