فجر الجمعة

الشّيخ عبدالله العرادي يتحدّث عن العلوّ والرّفعة، ويتطرّق إلى شعيرة الحجّ

خطبة الشيخ عبدالله العرادي في مسجد الخضر بجزيرة تاروت في القطيف، يوم الجمعة 15 ذي القعدة 1445هـ.

 

الخطبة الأولى:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لا يتناهى حمده، ولا يوفى حقّه، ولا تفنى نعمه، ولا تنقضي محامده، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من نصح لأمته، ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بالعبوديه الحاقه لله، وتقوى الله والورع عن محارمه، والكفّ عن معاصيه، واحذروا من أهوائه وأمانيه وتضليلاته، واعتصموا بالله يحرسكم من مكائد الشيطان، ويأخذ بأيديكم إلى صلاح أنفسكم ونجاتها. قال الله تعالى في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير" وقال تعالى: "ورفعناه مكانًا عليًّا".  

 

الكلام فعلًا عن العلو والرفعة، وما هي حقيقة العلو والرفعة، وأقسام العلو والرفعة. العلو مأخوذ من السمو والارتفاع والرقي، ولذلك يقال علا فلان الجبل إذا رقيَه، وعلا فلان فلانًا إذا قهره وكان فوقه، والعلي الرفيع، وتعالى ترفّع، ولذلك الإنسان ينبغي له أن يتعالى وأن يترفّع عن سفاسف الأمور، ويتركها ولا ينزل إليها مهما أراد الآخرون أن ينزلوه إلى نفس مستواهم هو يترفّع ويتعالى، فإذًا أصل مادة العلو مأخوذ فيها السمو والارتفاع، والعلو والارتفاع عندنا ينقسم إلى قسمين، تارة يكون العلو والارتفاع علوًّا وارتفاعًا ماديًّا حسيًّا وهو كون الشيء فوق شيء آخر، ومرتفع عنه ارتفاعًا ماديًّا، فالسماء مثلًا فوقنا فهي عالية بالنسبة إلينا، والأرض تحتنا فهي دانية، ولذلك يقولون بأن كل ما علاك فهو سماء، وكل ما أقلّك فهو أرض -كان تحتك يعني- فالسماء جهة العلو والارتفاع والأرض جهة الذنوب والانحدار. هذا العلوّ المادي الحسيّ يعبر عنه بعلو المكان، هذا هو القسم الأول من العلو والارتفاع.

 

عندنا قسم آخر من هذا العلو، الارتفاع المعنوي، وهو العلوّ الحقيقي وهو الارتفاع الحقيقي، ولذلك نحن نشاهد أن عندنا اشخاصَا عالين جدًّا، مقامهم عالٍ، عندهم علم ومعرفة وأدب وأخلاق وسمو ورفعة، تجعل كل من يعاصرهم أو يحتك بهم ينجذب إليهم تلقائيًّا، يعطيهم مقامًا عاليًا، يعظّمهم بسبب ما حووه من ملكات عالية ونفس عالية رفيعة متعالية على كل شيء.

الإنسان لابد أن يكون هكذا، خلقه عال تواضعًا أدبا رفعة يحتوي الجميع يسعهم بأخلاقه وبتصرفاته وبأعماله وبأقواله، هذا العلو علو في العقل، علو في الإدراك، علو في الأخلاق، علو في الآداب، علو في العلم، وعلو في العمل والسلوك.  فإذًا نلاحظ في كل زمان خاص يترفعون عن سفاسف الأمور وصغائرها، ولا يديرون بالًا إليها إطلاقًا، حتى لو أراد الآخرون أن ينزلوهم عن مقامهم العالي إلى ما هم عليه لا يتنزّلون ويتعالون ويترفّعون عن ذلك، ولذلك هذا السمو وهذا الرقي وهذا الارتفاع المعنوي، نحن نريد أن نوجده في أنفسنا، نريد أن نخلقه في ذواتنا، نريد أن نتصف بأولياء الله الذين لهم هذه المةانه وهذه الحظوة وهذا الرقي وهذا الارتفاع، هذه هي الرفعة المعنوية وتسمى بالارتفاع، ارتفاع المكانة.

 

الارتفاع الحسي المادي قلنا بأنه رفعة مكان، هذا لا رفعة مكانة، رتبة مقام، عند الله سبحانه وتعالى، طبعًا هذا الارتفاع يشاهَد، وله آثار، والناس الذين يحتكون بعضهم ببعض، يميزون يعرفون، هذا أخلاقه غير عن باقي الناس، عنده رفعة، وعنده السمو، وعنده تعالٍ في الأخلاق، علو مرتبة ودرجة، لا علو مادي، ولذلك العالم إذا تكلم وسمعه شخص فيأتيه ذلك المطلب من مكان عال وينزل عليه من مكان عال، فإذًا العلو المعنوي ليس بالضرورة أن يكون من فوق لتحت، الفوق المادي، لا، بل حتى لو كان في عرض واحد أو كان أحدهما أدون من الآخر من الناحية الاجتماعية كدنو المقام الاجتماعي أو السن أو ما شابه ذلك، فإذًا هذا ليس له علاقة بالمقام الاجتماعي، حتى يأتيني شيء من مكان عال، لا بل نفس طبيعه العلم والمعرفة والأخلاق والآداب، تجعل هذا الإنسان عنده علو وعنده سمو، ايًّا كان عنده مقام اجتماعي او ليس لديه، كبير في السن أو ليس بكبير، هناك حيثيات أخرى أو لا توجد حيثيات أخرى، فإذًا أي شخص يعطيني علمًا ومعرفة صحيحة ترقّيني، فهذا قد جاءني من مكان عال، ونزل علي من مكان عال، من علو المكانة وعلو المنزلة، هذا بالنسبة إلى هذا الأمر، ونحن نريد أن نصل إلى هذه المقامات، الإنسان دائمًا يترفع عن سفاسف الأمور، لا ينزل إلى الحضيض إطلاقًا، يحاول جاهدًا أن لا ينزله أحد عن مقامه الذي يريد أن يصل إليه.

 

الأمر الآخر، الناس إذا نأتي إلى فهرستهم العامة في جميع المجتمعات، نرى أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والقرآن يصدّق ذلك، الناس كلهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، هذه عامة غير مختصة بمكان ولا بزمان، نجد الناس في كل زمان وفي كل مكان لا يخلو حالهم عن أحدها، هذه الأقسام الثلاثة أريد أن أبينها،  ونحن لأي قسم من هذه الأقسام نريد أن ننتمي، عندنا دائرة عامة، تخيلوا معي دائرة عامة، هذه الدائرة بها عامة الناس، أكثر الناس موجودون في هذه الدائرة الكبيرة، لأن أكثر الناس يطلبون اللذة، ولذلك عامّة الناس وأكثرهم من أهل الشقاء وبنص القرآن "أكثرهم لا يعقلون" "أكثرهم للحق كارهون" "أكثرهم لا يؤمنون" "وما أكثرهم ولو حرصت بمؤمنين" آيات كثيرة تبيّن هذه الحقيقة التي يذكرها القرآن "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون". لأن أكثر الناس عندهم هرج ومرج وإضاعة لأوقاتهم، وطلب للّذائذ، وبحث عنها، وهدر لأوقاتهم، أكثر الناس يهدرون أوقاتهم بلا طائل، لهو ولعب، واللّهو والذي يلهي الإنسان عمّا يهمّه، يعني يلهيك عن شيء مهم، المفترض أنت تتوجه إليه، المفترض أنت تطلب ذاك الأمر المهم، ما تطلب هذا الأمر الذي التهيت به، واللعب هو طلب شيء لغاية خيالية، ليس له غاية حقيقية، لا واقع له، ولذلك عامة الناس ملتهين بالأمور الجزئية، وملتهين بسفاسف الأمور وصغائرها، وغافلين عن الأمر الكلي، الرجوع الى الله سبحانه وتعالى وذكر الله، ملتهين بأشياء هامشية، السلوك الطبيعي للإنسان الذي يتقرب به إلى الله، والذي يريد من خلاله الرفعة والعلو والسمو والعزة والقوة من الله سبحانه وتعالى، هو أن لا يجعل الأمور الجزئية تصدّه وتمنعه عن الأمر الكليّ، وهو التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وعدم الغفلة عنه، الإنسان بطبيعة الحال يمارس أمورًا كثيرة في حياته جزئية، لكن ينبغي لهذه الأمور أن لا تصده عن ذلك الأمر الكلي وهو التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وطلب رضاه، ففي كل أمر أنا أعمله، في كل قول أنا أقوله، ذلك الأمر ينبغي أن يكون موجودًا عندي، حضور الله ينبغي أن يكون موجودًا، حتى لا أقع، وحتى لا أخطئ، وحتى لا أضل الطريق، وحتى لا أعصي الله سبحانه وتعالى.

 

إذا كان ذلك الأمر الكلي غائبًا عني، وكنت ناسيًا لله سبحانه وتعالى، قطعًا سوف تصدر مني أقوال غير مرغوبة، وأفعال لا ينبغي أن تصدر مني بسبب غيابي، ذلك الأمر الكلي الذي ينبغي أن يكون حاضرًا عندي في جميع تصرفاتي في جميع أقوالي وأفعالي وفي جميع سلوكي، في كل حركة أقدم عليها، فلذلك عامة النّاس هكذا حالهم، هم داخل هذه الدائرة، من هذه الدائرة الكبيرة نخرج الأنبياء والأولياء والصالحين هؤلاء المنعم عليهم من قبل الله سبحانه وتعالى، هؤلاء خارجون من هذه الدائرة تخصصًا، يعني أصلًا من الأساس ما شملتهم هذه الدائرة، وما تأثروا بها إطلاقًا، هؤلاء صحيح يعيشون مع عامة الناس، لكنهم منفصلون عنهم تمامًا فكرًا وعلمًا وعملًا وسلوكًا وآدابًا وأخلاقًا لم يتأثروا بشيء مما يفعله عامة الناس، لا في عقائد ولا في أخلاق وسلوك، هؤلاء خارجون تخصصًا، ولذلك في الرواية المروية عن الإمام الرضا عليه أفضل الصلاة والسلام في هذه الآيه "وإن منكم إلا واردها" يقول عليه أفضل الصلاة والسلام جزناها وهي خامدة، يعني ما أثرت فيهم هذه النار، نار الطبيعة ما أثرت فيهم، ما أثرت فيهم بجميع مغرياتها، هذا قسم عندنا خرج من الدائرة الكبيرة تخصصَا ما شملته أصلًا أحكام تلك الدائرة.

 

قسم ثالث أيضًا سوف يخرج من هذه الدائرة، لكن سوف يخرج باتباعه للأنبياء والرسل والأولياء والصالحين، هؤلاء الذين خرجوا من عامة الناس، من خلال سلوكهم واعتقادهم وأعمالهم، والتحقوا بالطائفة الأولى، وهم الأنبياء والمرسلون والأولياء وعباد الله الصالحون، هؤلاء اتبعوهم، عملوا بما يعملون به، ولذلك القرآن يقسّم هذه الطائفة إلى ثلاثة أقسام، يقول "وكنتم أزواجًا ثلاثة" في سورة الواقعة "فأصحاب المشأمه ما أصحاب المشأمه" "وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة" "والسابقون السابقون، أولئك المقربون" فإذًا عندنا ثلاثة أصناف، في الآية المباركة يقول "وكنتم أزواجًا ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم". أيضًا هؤلاء لهم جنة النعيم، ليس الجنة العادية، السابقون المقربون لهم جنة النعيم، هي أرفع من جنان باقي الناس الذين هم أصحاب اليمين، فاذًا عندنا ثلاث طوائف، أهل الشقاء وهم أصحاب الشمال، المؤمنون المتبعون للأنبياء والأولياء والصالحين وهم أصحاب اليمين، والأنبياء والرسل والأولياء والصالحون وهم السابقون المقربون عند الله سبحانه وتعالى.

 

أيضًا أمير المؤمنين يقسّم الناس إلى ثلاثة أقسام، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: "الناس ثلاثة عالم ربان،ي ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق، ويميلون مع كل ريح، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق". فإذًا الناس ثلاثة، إمّا عالم رباني آثار العلم تظهر على وجوده، على أقواله، على سلوكه، على تصرفاته، أو متعلم على سبيل نجاة يأخذ من ذلك العالم، أو لا همج رعاع، لا يعرف أين الوجهة، هؤلاء لماذا هذا حالهم، لأنهم لم يستضيؤوا بنور العلم، لا هو ذهب وتعلم وكان عالـمًا، ولا هو لجأ إلى ركن وثيق، إلى عالم يعلمه ويخرجه من الظلمات إلى النور، هذا أيضًا أمر مهم ينبغي علينا ملاحظته.

 

الأمر الثالث وبه أختم وأختصر، إن الله سبحانه وتعالى إذا وصف قومًا أو وصف أشخاصًا أو وصف شخصًا بصفة من الصفات، إذا نقرأ القرآن نجد هناك أوصافًا أعطاها الله سبحانه وتعالى لأناس لرجال لأقوام، هذه الصفات التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لهؤلاء، هم متصفون بتلك الصفة حقيقة، ولا ينبغي المسامحة والمساهلة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لعباده، لأنّ كلام الله سبحانه وتعالى ليس ككلامنا، نحن في الأعم الأغلب، كلامنا يكون مبنيًّا على المسامحة وعلى المساهلة وعلى المبالغة وعلى المجاز، ما نعطي أوصافًا حقيقية للأشخاص في الأعم الأغلب، ولذلك نحن نعطي أحكامًا عامة وكلية، إذا شخص مثلًا للتقريب يتاخر عن الصلاة مرة أو مرتين أو ثلاث، نقول هذا الشخص دائمًا يتأخر عن الصلاة، هو ليس دائمًا يتأخر عن الصلاة، تأخر ثلاث مرات أربع مرات، خلاص أُخذت عليه، هذا مبني على المسامحة عندنا والمساهلة والمجاز والمبالغة في الشي،ء دائما هكذا نفعل، (من نشوف شخص صدرت منه أمر يمكن هو هذا مو طبع فيه، صدر منه عرض عليه، هذا دائمًا بهذا الطبع، دائمًا هذا طبعه، هذه أخلاقه) لأننا نعطي أحكامًا عامة ونعمّمها على هذا الشخص، ونجعل جميع تصرفاته بهذا النحو، من باب المساهلة والمسامحة والمجاز، لأن كلامنا ليس مبنيًا على العلم، وعلى الإحاطة التامة بهذا الشخص، فلذلك نعطي هذه الأحكام.

 

 أحكامنا دائمًا مبنية على المساهلة والمسامحة والمبالغة، نعطي هذه الأحكام ونصدرّها، (في كثير من الأمور ما أريد أن أذكر أمثله) أما الله سبحانه وتعالى فلا، كلامه ليس على هذا النحو، كلام الله سبحانه وتعالى مبني على الحقيقة، أذا أعطى صفة لشخص فهو متصف بها على نحو الحقيقة، ليس على نحو المساهلة والمسامحة والمبالغة، الله سبحانه وتعالى يجل عن ذلك، لأنه هو المحيط بكل شيء علمه، وقد قال عز وجل في وصف كلامه "إنه لقول فصل وما هو بالهزل" قال تعالى "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" فإذا سمعنا الله عز وجل يقول في حق رجال "في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها -في هذه البيوت من الذين يسبحون له يسبح له فيها هؤلاء الرجال- يسبّح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار". هؤلاء الرجال الذين وصفهم الله بهذه الصفات، هم متصفون بها حقيقة، أيضًا إذا قال الله سبحانه وتعالى في حق قوم "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم". هذه الصفات التي ذكرها الله لهؤلاء القوم، هم متصفون بها حقيقة، حينما يقول يحبهم ويحبونه، فهو يحبهم حقيقة، وهم يحبونه، يعني الرحمة الإلهية والكرامة الإلهية تنالهم، هذا هو حب الله لعبده، يغدق عليه بالرحمة، وبشتى أنواع الكرامة، وأيضًا العبد إذا أحب الله تعلق به، ولم ينفكّ عنه إطلاقًا، كتعلّق الطفل بأمه، دائمًا يفزع إليها، في كل شيء يحصل له يلجأ إلى أمه مباشرة، هؤلاء متعلقون بالله أشد من تعلق الطفل بأمه.

 

الله سبحانه وتعالى (خلنا نشوف هذا اللي يحب الله سبحانه وتعالى ما هي صفاته) الله ذكرها في القرآن، ذكر صفات الذين يحبهم، هؤلاء حينما قال الله بأنه يحبهم، يعني ليسوا متصفين بصفات مبغوضة له إطلاقًا، هناك صفات لا يحبها الله سبحانه وتعالى ذكرها أيضًا في القرآن، هؤلاء مبرئون عنها منزهون لا يتصفون بها، يقول الله سبحانه وتعالى: "فإن الله لا يحب الكافرين" أصلاً ما عندهم ذرة كفر وستر لنعمة من نعم الله على الإطلاق، دائمًا يظهرون نعم الله ويشكرونه عليها، يقول الله: "والله لا يحب الظالمين" هؤلاء غير متصفين بظلم، بشتى أنواع الظلم، قال تعالى: "إنه لا يحب المسرفين" وقال تعالى: "والله لا يحب المفسدين" وقال تعالى: "إن الله لا يحب المعتدين" وقال تعالى: "إنه لا يحب المستكبرين" وقال تعالى: "إن الله لا يحب الخائنين" وقال تعالى: "والله لا يحب كل كفار أثيم" فإذًا هذه الأمور مرتفعة عنهم بشهادة الله سبحانه وتعالى لهم بأنه يحبهم، وإذا ارتفعت عنهم هذه الصفات، اتصفوا بما يقابلها من الفضائل، لأن الإنسان لا مخلص له عن أحد طرفي الفضيلة والرذيلة إذا تخلق بخلق، فالذي ليس بشجاع جبان، الذي ليس بعالم جاهل، (ما فيه يا يتصف بهذه أو يتصف بنقيضها) فإذًا هؤلاء متصفون بصفات مقابلة لهذه الصفات التي لا يحبها الله سبحانه وتعالى، وقد قال الله تعالى في حق من يحبهم قال تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله - إذا أنت تحب الله، وإذا هؤلاء يحبون الله لأن الله قال يحبهم ويحبونه - قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" فاذًا اتباع النبي ومحبة الله متلازمتان لا تنفكان أبدًا، واذا اتبع إنسان النبي صلى الله عليه وآله، اتصف بكل حسنة يحبها الله ويرضاها، كالتقوى والعدل والإحسان والصبر والثبات والتوكل والتوبة والتطهر، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "فإن الله يحب المتقين" هذه من الصفات التي يحبها الله، وقال تعالى "إن الله يحب المحسنين" وقال تعالى: "والله يحب الصابرين" وقال تعالى: "إن الله يحب المتوكلين" وقال تعالى: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص" (مجتمعين متفقين ما بينهم خلاف وفرقة على الإطلاق مو واحد منهم يتكلم على الآخر ويبث خلاف بينه وبين الآخر على الإطلاق) متحدين كأنما هم بنيان مرصوص، ولذلك هذا يعطي قوة ويعطي عزة، هذه هي الوحدة، والاتحاد يعطي قوة وإلفة ومحبة وخير في المجتمع إذا ساد، أما الفرقه تمزّق وابتعاد وضعف، أيضًا يقول الله: "إن الله يحب التوابين" "ويحب المتطهرين" "إن الله يحب المقسطين"؛ فإذًا هذه الصفات التي ذكرها الله لعباده علينا أن نلاحظها في القرآن، وعلينا أن نتصف بها كي نكون محبوبين لله، وكي نحب الله حبًّا حقيقيًّا ونتعلق به تعلقًا صحيحًا.

 

أسال الله عز وجل أن يوفقنا لمراضيه، وأن يجنبنا معاصيه، وأن يعيننا على أنفسنا بما يعين به الصالحين على أنفسهم "بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر".

 

الخطبة الثانية:

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحًا لذكره، وسببًا للمزيد من فضله، ودليلًا على آلائه وعظمته، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كلّه، ولو كره المشركون، اللهم صلّ عليه صلاة كثيرة متوالية متواترة، وصلّ على أخيه وخليفته علي بن ابي طالب، وصلّ على الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، وصلّ على الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وصلّ على أئمه المسلمين، علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف الهادي المهدي، القائم المنتظر، عجل الله تعالى فرجه.

 

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى في كتابه الكريم: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين". نعيش في هذا الشهر أجواء شهر الحج، والجميع يتهيأ ممن وفقه الله سبحانه وتعالى من الأخوه المؤمنين والأخوات المؤمنات، إلى حج بيت الله، إلى هذه الرحلة العبادية المليئة بتوحيد الله، وقرب الله سبحانه وتعالى.

 

الحج كما تعلمون عبادة مفروضة من الله سبحانه وتعالى على الناس، والحج كغيره من العبادات، غاية الخلق للخالق، والحاج يتزود بحجه خير الزاد، والله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، غير محتاج لحجنا ولا لسائر عباداتنا، وإنما نحن المحتاجون لذلك، لنخرج أنفسنا من النقص إلى الكمال، في هذه الفريضة، وفي هذا النسك، أنبه إلى أمر وهو الجمع في هذه الرحلة الملكوتية إلى الله بين الظاهر والباطن، بين التفقه في الدين، وفي أحكام الحج، ومعرفه أحكام الحج من الناحية الفقهية معرفة صحيحة، حتى لا يكون هناك خلل أو خطأ في العمرة أو في الحج، وبين معرفة أسرار الحج وآدابه المعنوية، ليس فقط نقتصر على الجهة الظاهرية والجهة الفقهية للحج ومعرفة الأحكام، علينا أيضًا أن نقف على أسرار الحج، وآدابه المعنوية.

 

حينما نحرم ما الذي يعني إحرامنا، حينما نصلي لله ركعتين ما الذي يعنيه ذلك، حينما نعقد النية ونلبي ما معنى هذه التربية، وحينما نتوجه إلى بيت الله الحرام ونطوف حول الكعبة المشرفة ينبغي علينا أن نستشعر الأدب المعنوي الموجود في الطواف، فالكعبة المشرفة بنيت وأسست على التوحيد المحض، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئًا" يعني أن تبوأةَ البيت وتعيين مكانه وهندسة تأسيسه، إنما هو على التوحيد الصرف الخالص لله سبحانه وتعالى الذي لا يشوبه أي شرك، سواء كان ذلك الشرك شركًا ظاهرًا وجليًّا كالوثنية وعبادة الأصنام، أو كان شركًا خفيًّا كالرياء والغفلة عن الله سبحانه وتعالى والتوجه لغير الله وعصيان الله سبحانه وتعالى، هذا التوحيد المحض هو قوله صلى الله عليه وآله: "لا إله الا الله وحده وحده" يعني وحده ذاتًا، ووحده صفة، ووحده فعلاً، وهو المسمّى بالتوحيد الذاتي والتوحيد الصفاتي لله سبحانه وتعالى والتوحيد الأفعالي لله سبحانه وتعالى، هذا التوحيد موجود في أكثر من عمل عبادي، ومنه الحج، والكعبه المشرفة بهذه الخصوصية تكون مثالًا للعرش الذي يطوف حوله الملائكة الصافين المقدسين لله الحامدين لله المنزهين له سبحانه وتعالى، فنحن حينما نطوف حول الكعبة، نتشبه بالملائكة الطائفين حول العرش، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ونحن حينما نطوف هكذا، نسبح الله، نقدس الله، نحمد الله سبحانه وتعالى، ننزه الله، وننوي أن لا نعصي الله ما أمرنا، ونفعل ما نؤمر به، هكذا يكون حالنا، نتشبه بالملائكة الصافين حول العرش الذين لا يسأمون عن تقديس الله وتنزيه وتحميده، ولا يستحسرون عن عبادته، ولا يؤثرون التقصير على الجد في أمره، ولا يغفلون عن الوله إلى الله سبحانه وتعالى.

 

 نسال الله عز وجل أن يوفق الحجاج والمعتمرين لأداء هذا النسك، وأن يكونوا مقبولين عند الله سبحانه وتعالى، اللهم بارك للحجاج والزوار في الزاد والنفقة، واقض ما أوجبت عليهم من الحج والعمرة بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اشف كل مريض وبالخصوص من أوصينا بالدعاء لهم، اللهم اقض حاجة كل محتاج، اللهم أغن كل فقير، اللهم أشبع كل جائع، اللهم زوج كل أعزب، اللهم اختم لنا بخير، اللهم اغفر لنا وارحمنا، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات إنك على كل شيء قدير. بسم الله الرحمن الرحيم "والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر".