
مسعى هذه التأمليَّة، النظر في إمكان التأسيس لمنهج في المعرفة يفتح الآفاق على استيلاد الأفكار وسط عالم مكتظّ بالمفاهيم المستعادة ومسكون بمعضلة التكرار والتقليد. ولقد ابتنينا هذا المسعى على فَرَضيَّة التنظير بوصف كونه ممارسة تفكيريَّة تتوخى تنشيط حركة الفكر، واستكشاف عِلَلها، وتظهير الأجوبة على الأسئلة المتعلِّقة بشأنها.
تنعقد مطالعتنا على محورين متلازمين يتمِّمان بعضهما بعضاً:
المحور الأول، مقتضاه إحياء سؤال التنظير من خلال تظهيره على ثلاثة مستويات:
المحور الثاني: وهو نظير للأول وملازم له. حيث لا تنظير يعوَّل عليه في البيئة المشرقيَّة بمنأى من المتاخمة العميقة لمشكلات الفكر الإنساني وتأسيساته الفلسفيَّة منذ المنقلب الأرسطي إلى أزمنة الحداثة وما بعدها. ما يوجب - تبعاً لذلك - بيان معاثر الفلسفة الغربيَّة الحديثة بما هي امتداد للميراث اليوناني، ومعاينة آثاره عليها تكوينيّاً وتاريخيّاً.
التنظير في ماهيته والغاية منه:
يتغيَّأ وجوب التنظير التمهيد لمنفسحات تفكير تستحثّ على تظهير الأسئلة التي لم تُسأل بعد، أو تلك التي سُئِلت من قبل ولمّا يُجْبَ عليها. ولقد ابتنينا هذا المسعى على فَرَضيَّة مؤدّاها أن التنظير بذلٌ معرفيٌ وممارسةٌ تفكيريَّة تتوخَّى تحرِّي عِلَلِ الانسداد الحضاري بغية التعرُّف إليها، وفهمها، واستيلاد المفاهيم المتعلِّقة بشأنها.
والتنظير - بحسب فرضيتنا - غير موقوف على توصيف ظواهر الأفكار والأحداث. فإنما هو قبل أي شيء، مجهود متبصِّر يروم معاينة القابليات الكامنة وراء الظواهر، والمفضية من ثمة إلى ولادتها. من أجل ذلك فإن الأفق الذي يتَّخذه التنظير مسلكاً له يمضي إلى عمق الفكرة ومنشأ الحدث ليستظهرَ منهما ما كان يشقّ على الفهم. الأمر نفسه يجريه التنظير حيال التاريخ وأحداثه. فإنه يعاين المستتر في تحولاته سعياً إلى جلاء ما يحيطها من لبس واشتباه. وعليه فإنَّ مهمَّة المنِّظر تنحو في اتِّجاهين متوازيين: انطولوجي وتاريخي. وعبر هذين الاتجاهين يُقصد التعرف على الوجود الأصيل، وعلى ظهوراته في الزمان والمكان.
فالتلازم بين الاتجاهين شأن أصيل وجوهري في الجهود التي يبذلها الفكر الإنساني للتعرُّف على العالم وفهم حقائقه المعلنة والمستترة. من أجل ذلك حقّ التفكر بهما معاً خلافاً لما درج عليه الفصل الذي اقترفته الفلسفة الأولى وامتداداتها المعاصرة بين الوجود والموجود. بهذا المعنى يتغيَّا التنظير النفاذ إلى قلب الظواهر لاستكشاف أسباب ظهورها. أي متاخمة المبدأ الذي بسببه ولدت الأحداث من الأفكار، والأفكار من الأحداث. ثم أن ينتقل إلى طور أعلى ليتاخم ما لا يتناهى التفكُّر فيه. وعليه فإن مهمَّة مركبة كهذه تستحثُّ على التقدُّم نحو فتوحات فكريَّة تملأ مناطق الفراغ في الحيز الحضاري الذي تنشط فيه، مثلما تسهم في تخصيب فعاليات التفكير على نطاق الحضارة الإنسانيَّة ككل.
مهمَّة التنظير التي نرمي إليها، هي ضربٌ من مبادرة تراهن على اجتياز ما هو مألوف من أسئلة شغلت مجتمعاتنا زمناً طويلاً.
إن أصل التفكير بتنظير الحادث الإنساني والقيم الناشئة عنه يشير إلى الاستعداد والقابلية لفتوحات مستأنفة في فضاء الفكر ومشاغله. وهنا يكمن البعد الخلاَّق للمهمَّة التنظيريَّة بما هي فلسفة عمل. من ناحية تتوجَّه نحو كل ما لم تُدرَك حقائقه بعد في عالم الأفكار، ومن ناحية ثانية تنخرط في قلب الحدث لتتعرَّف إليه بالتجربة والمعاينة الميدانيَّة.
في رحلته الشاقة هذه لا ينبغي لحامل المهمَّة ادِّعاء القدرة على الإحاطة بالموضوعات الداخلة في مجال عمله. فلو انه أفلح مرَّة في الكشف عن غامض فكري ما، أو شقّ السبيل لجلاء معضلة كانت عصيَّة على الفهم فلا تأخذه دهشة الصنع، بل هو يمضي ليعاين القضيَّة بغية استبيان حقائق لا تزال قيد الاحتجاب. فالمنظِّر يدرك أن الذات المفكِّرة قادرة على الفعل والإيجاد متى غادرت وتكاملت بالوجود. وحالذاك لا تعود هذه الذات حبيسة القلق والتشظي وانعدام اليقين. ولا يعود السؤال بالنسبة اليها مطروحاً لمجرد السؤال، وإنما ذاك الذي تسألُه ذاتٌ مسؤولة تنظِّر وتتدبَّر.
السؤال المؤسِّس كمنهج للتنظير
إذا كان للتنظير - بحسب ما تذهب أطروحتنا - غاية تأسيسيَّة لأفق جديد في التفكير، فلزومه سؤال مؤسّس يكون من طبيعته وسلالته. والسؤال المؤسّس هو الذي يُبنى منه وعليه فهم الوجود. والمقصود بالتأسيس في ماهيَّة هذا السؤال يقوم على تلازم وطيد بين الأنطولوجي (علم الوجود) والفينومينولوجي (علم ظواهر الوجود). أما جلاء هذه الحقيقة فلا يتأتى من التشطير بين المرتبتين، وإنما من التجانس والانسجام بينهما، حيث يكون السؤال مطابقاً لكل مرتبة وجوديَّة بقَدَرِها.
وما كنا لنتطلع إلى سؤال يؤسِّس للتنظير ويفتح على بدءٍ جديد، إلا لقصور الخطبة الفلسفيَّة الحديثة عن الإفلات من عالم الممكنات. فالأسئلة الناشئةَ من هذا العالم والمشدودةُ إليه هي أسئلة تتبدَّد تبعاً لتبدُّد موضوعاتها. أما السؤال المؤسِّس فسمْتُه الأصالة والرسوخ والامتداد ومجاوزة الممكنات العارضة. بيد أنه وهو يغتني بهذه السمات المفارقة لا ينأى من دنيا الأشياء، بل يسعى إليها ويشملها باهتمامه ورعايته باعتبارها حقلاً ضرورياً إلى متاخمة المطلق. يكتسب السؤال المؤسِّس القدرة على التمهيد للمابعد. حيث لا يحدّ من تجدّده وديمومته متعاقبات الزمن مهما تنوّعت موضوعاتها وتكثَّرت حوادثها.
والسؤال المؤسِّس بوصف كونه بَدءاً أوَّلياً، يرقُب كل سؤال يأتي من بعده. يعاينُه ويعتني به بالتأييد والتسديد. والأثر المترتِّب على المعاينة لا يقتصر على نتائج المراقبة والفحص لبيان خطأ أو صواب الأسئلة الفرعيَّة، وإنما أيضاً في معرفة مدى صواب وخطأ السؤال المؤسِّس نفسه. فهذا الأخير بحكم تعاليه وتواضعه ينظر إلى نفسه بميزان المحاسبة وعين النقد، فيما هو ينقد كل سؤال فرعي ويختبر جدواه. فلو جاءت النتيجة، على سبيل المثال، باطلة، فذلك يعني أن السؤال نفسه يحمل في داخله شيئاً من البطلان. إنها طريقة عمل السؤال المؤسِّس التي تتوسَّل حكم الواقع لا حكم القيمة وحسب. تبعاً لهذه الطريقة لا تعود أحكامُه متعلِّقة بخيريَّة مقاصد الفكرة أو حسن طويَّتها، وإنما بواقعها الزماني والمكاني الذي نشأت فيه. ذلك بأن حقَّانيَّة كل استفهام عن شيء ما تعود إلى التناسب بين اللحظة التي طُلِب فيها واللحظة التي يستجاب له فيها عن ذلك الشيء.
السؤال المؤسِّس محيط بمبتدأ الأفكار وخواتيمها. ومتبصِّر في مسار الزمن ومآلاته. من أجل ذلك كان له أن يحظى بمكانة أصيلة في فلسفة التاريخ. وهذه المكانة متأتيَّة من توفِّره على تكوين ذاتي يدرك التناسب بين لحظة صدور الفكرة وزمن تحقِّقها في واقع محدَّد. على حين أن تحويل الفكرة إلى حدث هو أمرٌ غير مرهون فقط برغبة السائل والميقات الذي يحدِّده لتلقي الجواب، وإنما يعود أيضاً إلى ما تقرّره روح التاريخ المحكومة بالأسباب، حيث تحدِّد الوقت الأنسب لمثل هذا التحويل.
فلكي يكتمل السؤال المؤسِّس وينجز ذاته سيكون على سائله أن يبذل جهداً مضنياً للعثور على ما يؤسِّس لآفاق الفكر وما يوقظ التاريخ من كسلِهِ ووهنه، وكذلك ما يحمل على التساؤل عما يحتجب أو يتعذّر فهمه.
كان الفيلسوف الألماني فرانز فون بادر Franz Von Baader (1756- 1841) (وهو أحد أهم فلاسفة عصر المثاليَّة الألمانيَّة) يتحدَّث عن المبدأ الذي يؤسِّس ويؤسَّس منه وعليه. وقد قارب موضوعه الشائك على نحو فارق فيه معظم فلاسفة الحداثة من ديكارت مروراً بكانط وصولاً إلى هيغل ومن تبعهم[1].
تبتدئ الفلسفة عند بادر بالسؤال عن الذي يؤسّس بنيَّة الكينونة والتفكير. ويقصد بذلك المبدأ الأساسيّ الذي يُحدث الكينونة ويؤيّدها ويرعاها. هذا المبدأ يجيء إثر النسيان الذي اقترفته الميتافيزيقا الأولى بحقّ الوجود ثم سرى بالوراثة إلى أزمنة الحداثة. يذكر بادر بهذا المبدأ الذي يخلق ويؤسّس ويدعم في الوقت نفسه. هو عنده أكثر من مجرد سبب أوّل، أو محرِّك أول كما وصفه أرسطو مثلاً. فعندما يكون الذي يُحدث ويؤيّد ويساعد مؤسِّساً فبديهي أن يكون هو الذي يُحدث ويؤيّد ويساعد. فالمحدِث والمؤسّس الأول لا يمكن أن يُحدث ويؤسّس غيره من قبل أن يُحدث ويؤسّس نفسه أولاً. ومن خلال كونه مؤسِّساً لذاته فقط، يمكن لذاتيّ التأسيس أن يؤسّس.
لقد رأى أنه لا يمكن لسببيَّة أولى لا تكون مؤسَّسة بذاتها أن تكون سببيَّة أولى. وأي تفكير لا يكون تفكيراً نابعاً من ذاته وواعياً لذاته وللغير، لا يمكن أن يكون مؤسِّساً ومُحدِثاً للتفكير والوعي. فالسببيَّة الأولى سببيَّة أولى لأن الإحداث يعني التأسيس بالذات، والتفكير بالذات والوعي بالذات. وإن هذا الإحداث للذات وإنشاء الذات لا يمكن أن يحدث بأي شكل في العالم المتناهي، وانما في حياة الحقيقة الإلهيَّة اللامشروطة والأزليَّة والتي لا بداية لها[2].
فالمبدأ المؤسِّس بحق هو الذي يولّد المعرفة وكل ما يتعلق. ذلك بأن المعرفة المطلقة والخالقيَّة المطلقة يتماهيان في المبدأ. أي مطابقة روح السؤال مع روح الاستجابة. وبذلك يكون المبدأ المؤسِّس للسؤال مبدأ حقاني، يتاخم الأبديَّة ويرعاها بقدر ما يفيض على الزمان الطبيعي ويرعى أحقابه المتفاوتة في ضعفها وشدَّتها. من داخل ذلك كان من السمات الجوهريَّة للمبدأ المؤسِّس التنبيه إلى حقيقة أن تماهي الذات والموضوع في العقل الواعي لذاته يفضي إلى إدراكهما معاً بحيث يدرك عندما يُحدِث. وعندما لا يكون وعي الذات تماهياً أزلياً بين الذات والموضوع لا يكون تماهياً حقيقياً؛ لأن التماهي بين ما يُحدِث وبين ما يُحدَث، والتماهي بين ذات وموضوع الوعي الذاتي الذي لا ينشأ إلا في الزمن، ليس تماهياً، بل هو تعاقب وإلغاء للفوارق.
وهذه المعرفة اللاأوليَّة أو الثانويَّة هي معرفة ذاتيَّة لكل عقلٍ متناهٍ. والعقل المتناهي لا يؤسِّس ولا يحدِث نفسه، ولا يُعرف إلا بكونه معروفاً من الروح المطلق الذي أحدثه. أما النتيجة التي يتوصَّل إليها فون بادر فهي التنظير لمنظومة معرفيَّة تقوم على الوصل بين الموجود والواجد، وعلى الرعاية التامّة التي يؤدِّيها المبدأ المؤسّس للموجودات ويجيب على أسئلتها أين كانت وكيفما صدرت: وبناء على هذه النتيجة يصبح كل تفكير ذاتي للموجود المحدود مفكَّر فيه، ويعرِف أنه مفكَّر فيه في الوقت نفسه. بذلك يكون بادر أول من أماط اللثام عن الخلل المعرفي في ذاتيَّة الكوجيتو الديكارتي، على أساس أن “الأنا أفكر” (الكوجيتو) هي دائماً في الوقت نفسه "أنا مفكّرٌ فيّ إذا أنا أفكٍّر" (cogitor ergo cogito)[3].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] – Franz von Baader، Schelling، Paderborn 7115; Emmanuel Tourpe, L’Audace théosophique de Baader: premiers pas dans la philosophie religieuse de Franz von Baader (5671- 5485), Paris 7115.
[2] – IPID
[3] – IPID, P. 179.
معنى (هجد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (1)
محمود حيدر
علم الأعصاب وفهم ما يحدث في الدماغ أثناء الحزن والفقد
عدنان الحاجي
مناجاة المريدين (7): على المُقْبِلين عليه مُقْبلٌ
الشيخ محمد مصباح يزدي
حتّى ظهور الشمس (2)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
عاقبة البهتان
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
العبادة على سبعين وجهًا
الشيخ مرتضى الباشا
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
الإمامُ السّجّاد سراج محاريب الأسحار
حسين حسن آل جامع
إلى سادن السّماء
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
قراءة في كتاب: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء
(بصمات باقية) كتاب إلكترونيّ جديد للشّاعر والرّادود عبدالشّهيد الثّور
معنى (هجد) في القرآن الكريم
مزايا القرآن الكريم
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (1)
علم الأعصاب وفهم ما يحدث في الدماغ أثناء الحزن والفقد
مناجاة المريدين (7): على المُقْبِلين عليه مُقْبلٌ
حتّى ظهور الشمس (2)
(الحكمة في التّوازن) محاضرة في الأحساء للدّكتورة زهراء الموسوي
معنى (همس) في القرآن الكريم