
قلَّ أن نقرأ في حقول التفكير عن ثنائياتٍ مثيرةٍ للإشكال والالتباس، كثنائيّة الدين والعلم. حتى لتبدو الصورة وكأنّ اختصاماً تكوينيًّا بين طرفيها لا يقبل اللقاء والمصالحة. وهي كنظيراتها من متناقضات الحداثة جيئَتْ بمقدمات ملتبسةٍ لتنتهي إلى نتائج ملتبسة. كما لو أن قَدَرَ العقل الحديث من بعدِ ما قطع حبل السُّرَّة مع المسيحيّة، أن يأنس إلى فتنة المفاهيم ولا يفارقها البتَّة.
من أجل هذا عُدَّت فرضيّةُ المخاصمة بين العلم والدين، إحدى أبرز سلالات الحداثة كما هو حال العقلانيّة والعلمانيّة والإلحاد المعرفي. ولسوف يتبيَّن لنا أنّ هذه الفرضيّة لم تكن مجرّد موقفٍ فلسفيٍّ أقام الفِرقة بين عالمين متمايزين، وإنّما لتُعرب عن سيرورةٍ حضاريّةٍ طبعت الروح الغربيّة بطبعها سحابة قرونٍ متصلة.
أطروحة التناقض بين العلم والدين إذاً، قضيّةٌ ساريةٌ في مجمل الحقول المعرفيّة للغرب الحديث. فهي تبدأ من الميتافيزيقا، ثم تتمدّد في أعماق المنهج الحاكم على العلوم الإنسانيّة كافة. لهذا جاز القول أنّ الفصل بين الإيمان الديني وتطوّر العلوم - وإن كان حدثاً حضارياً بدأت معالمه في عصر النهضة، وأُنجِزت مقولاتُه مع عصر التنوير في القرن الثامن عشر - فإنّ تأسيساته الأنطولوجيّة تعود إلى التنظير اليوناني، وتعييناً مع الإنقلاب الأرسطي على الأفلاطونيّة. فعلى مرِّ الأحقاب اللاّحقة على ذاك التأسيس، ظلّ يُرى إلى ثنائيّة العلم والدين ضمن معادلةٍ متماديةٍ من التناظر المستحيل. وأما التحولات البَعْديّة التي جرت في مجالي اللاَّهوت والفلسفة والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، فلم تُنهِ الاحتدام، بل ستفضي إلى تعميقه بوسائط ومناهج مستحدثة.
أنّى كانت مسالك السجال الفلسفي والسوسيولوجي حيال هذا الإشكال، فسيكون علينا -لدواعٍ منهجيّةٍ- حصر المقاربة بالسؤال الأساسي التالي: إلى أيِّ مسافةٍ يمكن العلمُ أن يأخذ الإرادة الإلهية بعين الاعتبار، ويُقرَّ بسَرَيَان الحضور الإلهي في الكون؟
هذا السؤال يستبطن استفهاماً مركباً: من ناحيةٍ هو استفهام إبستمولوجي (معرفي) يتوجّه حصراً إلى العلم آملاً منه الإجابة، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ هو سؤالٌ أنطولوجيٌّ يدور مدار الفلسفة وهمومها الميتافيزيقيّة.
في كلّ حال، ينبغي علينا النظر إلى السؤال بجناحيه كواحدٍ من أهم مفاتيح السجال حول منزلة الدين في العقل العلمي الحديث. ولمَّا كان التحقُّق من القضيّة متعلقاً بالمنهج، وَجَبَ الرجوع إلى ماهيّة نظريّة المعرفة التي أخذت بها ميتافيزيقا الحداثة من أجل التعرّف على تلك القضيّة ومشكلاتها.
تخلص ميتافيزيقا الحداثة إلى الاعتقاد بأنّ فهم العلم يُنجز وفق الشروط الخاصة به، ولا يعتمدُ على أيِّ شيءٍ خارج ذاته. هذا المعتقد هو في الواقع تظهيرٌ شديد الكثافة لميراث عصر التنوير الذي نظر إلى العالَم كآليّةٍ ماديّةٍ مستقلّة. وتبعاً لهذه النظرة عُدَّت كلّ إشارةٍ إلى الدين أمراً فائضاً عن الحاجة ونزوعاً إلى اللاَّعقلانيّة. ذلك يعود بطبيعة الحال إلى تسليم الحركة التنويريّة، المطلق بقوّة العقل البشري وقدرته على تذليل الاستعصاءات التي تعترض اكتشاف الكون وفهم أسراره. لذا غالباً ما جرى التعامل مع العقلانيّة كحقيقةٍ قُصوى. حتى لقد أوشك كبار فلاسفة الحداثة وعلمائها على "تأليهها" لمّا رأوا كيف حُوِّلت الكنائس بعد الثورة الفرنسيّة إلى "معابد للعقل". يومذاك بدت العقلانيّة -وهي في غلواء توتّرها- أدنى إلى عقيدةٍ مرادفةٍ للإلحاد ومنتجة له في الآن عينه.
لكنّ النزعة العقلانيّة ما برِحَت حتى خضعتْ للتحديات التي افترضتها حركة "ما بعد الحداثة". قامت هذه الأخيرة على نقد وتفكيك قيم الحداثة لا بقصد بناء نظام قيمٍ بديل، وإنّما لإطلاق سيلٍ هائلٍ من الأسئلة لا يزال أكثرها ممتنعاً على الإجابة الناجزة في التفكير الغربي المعاصر. وما من شك، فإلى ما اقترفته ما بعد الحداثة من تقويضٍ لثوابت النظام الحداثي، وما نجم عن ذلك من فوضى عارمة في عالم الأفكار، فإنّها أسهمت أيضاً بتقويض الأساس المنطقي للعلم الطبيعي. والذي تجدر الإشارة إليه، أنّ بعض المفكرين واللاهوتيين سرَّهم ما قامت به حركة ما بعد الحداثة حيال ادّعاءات العلم.
لقد أغواهم الظن بأنّ ما حصل سوف يفسح في المجال أمام تسييل الدين في المجتمعات المُعَلْمَنَة. ثم ذهبوا إلى تسويغ مدَّعاهم بفرَضَيّةٍ تقول: إن لم يستطع العلم ادّعاء الحقيقة، فإنّه لا يُمكنه استبعاد الدين والتعامل معه على أساس أنّه باطل. لكن هذا الاستنتاج ما لبث أن ارتدَّ على الدين وعلى العلم سواءً بسواء. فقد أنزلَتْهُما تنظيرات ما بعد الحداثة منزلاً واحداً، وحكمت عليهما بمعيارٍ واحد. كانت النتيجة المنطقيّة: أنّ الحكم على العلم بالعجز والبطلان سَرَى أيضاً على الدين. غير ان مثل هذا التلفيق لا يستوي على سياق منطقي ما دامت المقابلة هي تعييناً بين حقلين متمايزين لكل منطقه وفضاؤه ولا ينتسبان الى جنس واحد.
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
أسباب الحبّ
حبيب المعاتيق
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
وجهة
ناجي حرابة
الميتافيزيقا المثلومة
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
مقام الرضا الأعظم
معنى (لفت) في القرآن الكريم
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
أسباب الحبّ
آل ربح والسّيهاتي يوقّعان في القطيف إصدارَيهما الجديدين
اختتام النسخة الحادية عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (عطاؤك حياة)
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول