قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
عن الكاتب :
أحد مراجع التقليد الشيعة في إيران

الله (عزّ وجلّ) نور

إذا أردنا تشبیه الذات المقدّسة لربّ العالمین (رغم منزلته العظیمة التی لا نظیر لها ولا شبیه) فلا نجد خیراً من النور! الله الذی خلق کل شیء فی عالم الوجود ونوّره، فأحیا المخلوقات الحیة ببرکته، ورزقها من فضل، ولو انقطعت رحمته عنها لحظة، لأصبح الجمیع فی ظلمات الفناء والعدم.

 

یتضح لنا من التتبع المتواضع إن «النور» له الخصائص التالیة:

1ـ النور أجمل وألطف ما فی العالم، وهو مصدر لکلّ جمال ولطف!

2ـ النور أسرع الأشیاء، کما ثبت لمشهوری العلماء الکبار فی العالم، إذ تبلغ سرعته ثلاثمائة ألف کیلومتر فی الثّانیة، وبإمکانه الدوران حول الکرة الأرضیة سبع مرات فی طرفة عین (أقلّ من ثانیة واحدة).

ولهذا السبب تقاس المسافات الهائلة بین النجوم فقط بسرعة الضوء، والوحدة المستعملة فی هذا المجال هی السنة الضوئیة، أي: المسافة التی یقطعها الضوء وهو بتلك السرعة الهائلة ـ فی سنة واحدة.

3ـ بالنور یمکن مشاهدة الأشیاء فی العالم، ومن دونه یستحیل رؤیة أي شیء، فالنور ظاهر بنفسه ومظهر لغیره.

4ـ إنّ ضوء الشمس یُعدّ من أهم أنواع النور فی عالمنا، فهو ینمّي الأزهار والنباتات وبه تستمرّ الحیاة، بل هو رمز بقاء المخلوقات الحیّة، ولا یمکن لموجود حيّ أن یستمرّ فی الحیاة دون أن یستفید من نور الشمس بصورة مباشرة أو غیر مباشرة.

5ـ ثبت الیوم أنّ جمیع الألوان یمکن مشاهدتها بنور الشمس أو الأنوار الأخرى، وَلولاها لعاشت المخلوقات فی عتمة قاتمة.

6ـ إنّ جمیع أنواع الطاقة الموجودة فی محیطنا (باستثناء الطاقة النوویة) مصدرها الشمس من قبیل حرکة الریاح، سقوط المطر، وحرکة الأنهر والوسائط فیها والشلالات، ولو دققنا فی حرکة جمیع المخلوقات الحیة لوجدناها ترتبط بنور الشمس.

مصدر الحرارة وتدفئة الأحیاء کلها هو الشمس، حتى أنّ حرارة النار المتولدة من الخشب أو الفحم أو الفحم الحجري أو النفط ومشتقاته مصدرها حرارة الشمس، لأنّ هذه الأشیاء بِحسب الدراسات العلمیة تعود إلى النباتات أو الحیوانات، وهذه بدورها قد استفادت من نور الشمس وحرارتها، فخزنت الفائض منها فی جسمها، لهذا فإنّ حرکة المحرّکات والمکائن أیضاً من برکات الشمس.

7ـ نور الشمس قاتل المیکروبات والمخلوقات المضرّة، وبفقدان هذا النور تتبدّل الأرض إلى مستشفى کبیر قد ابتلي سکانها بأنواع الأمراض ویصارعون الموت بین لحظة وأخرى!

وکلما دققنا فی عالم النور الذي یشکل ظاهرة فریدة، یتّضح لنا أثرهُ البالغ الأهمیّة وبرکاته العظیمة.

وبملاحظة هاتین المقدمتین إذا أردنا تشبیه الذات المقدّسة لربّ العالمین (رغم منزلته العظیمة التی لا نظیر لها ولا شبیه) فلا نجد خیراً من النور؟! الله الذی خلق کل شیء فی عالم الوجود ونوّره، فأحیا المخلوقات الحیة ببرکته، ورزقها من فضل، ولو انقطعت رحمته عنها لحظة، لأصبح الجمیع فی ظلمات الفناء والعدم.

وممّا یلفت النظر أنّ کل مخلوق یرتبط بالله بمقدار معین، یکتسب من النور بنفس ذلك المقدار:

القرآن نور لأنّه کلام الله.

والدین الإسلامي نور لأنّه دینه.

الأنبیاء أنوار لأنّهم رسله.

والأئمّة المعصومون (علیهم السلام) أنوار إلهیّة، لأنّهم حفظة دینه بعد النّبي (صلى الله علیه وآله).

والإیمان نور، لأنّه رمز الالتحام به سبحانه وتعالى.

والعلم نور، لأنّه السبیل إلى معرفته ـ عزَّوجلَّ ـ .

ولهذا:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾.

وإذا استعملنا کلمة «النور» بمعناها الواسع، أي الظاهر فی ذاته والمظهر لغیره، في هذه الحالة یصبح استعمال کلمة النور، حقیقة ولا تشبیه فیها، لأنّه لا یوجد أظهر من الله تعالى فی العالم، وکلّ الأشیاء تظهر من برکاتِ وجودِه.

وجاء فی کتاب التوحید، عن الإمام علي بن موسى الرضا (علیه السلام) حین سئل عن معنى قوله تعالى:﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... ﴾ قال «هادٍ لأهل السموات، وهادٍ لأهل الأرض».

وهذه فی الواقع واحدة من خصائص النور الإلهي، ولا یمکن حصره بهذه الخصیصة، ولهذا یمکن جمع کلّ ما قیل في تفسیر هذه الآیة، وکلّ تفسیر هو إشارة إلى أحد أبعاد هذا النور الذي لا مثیل له.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد