
“فَنَحْنُ قَائِلُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللَّهِ الْأَكْبَرَ وَيَا عِيدَ أَوْلِيَائِهِ”. الصحيفة السجادية : دعاء رقم : ( 45 ) .
إنّ شهر رمضان المبارك ينتسب بدوره إلى الله تعالى؛ وقد جعله وسيلةً وبابًا للولوج إلى بحر رحمته اللامتناهية، وأضفى عليه – عمومًا – مجموعة من الخصائص التي لا يتّسم بها أيّ شهر آخر، بل ولم ولن يوجد نظيرها في العالم في أيّ زمان آخر، وصار نزول القرآن الكريم فيه سببًا لاكتسابه شرفًا إلى الأبد.
إنّ لهذا الانتساب آثارًا عينيّة تُشبه تلك الآثار التي تترتّب على الكلمات إذا كُتبت بنية أنّها من القرآن، فمنذ بداية الخلقة وإلى نهايتها، حظيت ليلة واحدة فقط من بين جميع الأزمنة بشرف نزول القرآن فيها، ألا وهي ليلة القدر التي تحكي إحدى الروايات أنّ مجموع القرآن نزل فيها إلى البيت المعمور، حيث قال الإمام الصادق (عليه السلام): “نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ”[1]، كما جاء في الكتاب العزيز أيضًا: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[2]، لكنّ ذلك ورد في هذه الآية بالنحو التالي: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾[3]، حيث بُيّن نزول الملائكة بواسطة الفعل المضارع الذي يدلّ على الاستمرار، وقد رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه أوصى الشيعة بأن يُخاصموا المخالفين ويستدلّوا على وجود الإمام بسورة القدر[4]، لأنّها تدلّ على استمرار نزول الملائكة في ليلة القدر، وممّا لا شكّ فيه أنّ الملائكة تتنزّل على أحدٍ، وتوصل إليه الحقائق، فلا بدّ أن يوجد في كلّ زمان من يمتلك الأهليّة لكي تتنزّل عليه الملائكة في ليلة القدر، ألا وهو الإمام.
ففي وداع شهر رمضان المبارك، نلحظ حقيقة أنّ الله تعالى حبانا وقتًا هو أحسن وقت في السنة، وقدّر في هذا الشهر ليلة أفضل من ثلاثين ألف ليلة، فإذا وضعنا ثلاثين ألف ليلة في كفّة، وليلة القدر في كفّة أخرى، فإنّ كفة ليلة القدر سترجح، إذ الوارد في القرآن الكريم أنّ هذه الليلة “خَيرٌ” من ألف شهر، لا أنّها تساوي ألف شهر، فالبارئ عزّ وجلّ وضع بين أيدينا ليلة كهذه حتّى نستفيد من بركاتها، ونودّع في الأخير هذا الشهر. وعلى أيّ تقدير، فإنّ من مميّزات شهر رمضان المبارك هو تخلّل ليلة القدر لياليه، ممّا أكسبه شرفًا ورفعةً، وأهّله لإطلاق اسم “شهر الله” عليه.
إشارة إلى عظمة القرآن
أيّة مكانة وعظمة يحظى بها القرآن، لكي يُضفي نزوله كلّ هذا الشرف على الزمان؟ وما هي المنزلة العظيمة التي يتمتّع بها مُنزل هذا الكتاب السماويّ، حتّى يصير كلامه مصدرًا لهذه البركات والخيرات؟
يقول أهل الاختصاص في اللغة العربيّة بخصوص الآية الكريمة التي يقول فيها الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾[5] أنّ جواب الشرط محذوف، وأنّ معنى الآية هو بالنحو الآتي: “وَلَو أنَّ قرآنًا كذا، لَكَانَ هذا”؛ أي إنّ هذا القرآن له القابليّة على تحريك الجبال، وإحياء الموتى، و…، حيث إنّ الذين يطوون الأرض، ويقطعون مسافة كبيرة في مدّة قصيرة إنّما يتمكّنون من ذلك ببركة هذه الآية الشريفة.
فكيف يُمكن لهذا القرآن – بما هو حبر على ورق أو بما هو هواء يخرج من أفواهنا حينما نقرؤه – أن يتحلّى بهذا الفضيلة، بحيث لا يجوز لنا أن نمسح عليه من دون وضوء، ويكون قادرًا على شفاء المرضى؟ إنّ السبب في ذلك بأجمعه يعود إلى انتساب هذه الأمور [أي الكتابة أو الهواء] إلى القرآن، وحكايتها عن الكلام المنزل على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي عن نفس ذلك الصوت الذي سمعه النبيّ، وعين تلك الكتابة التي سُطّرت بيد ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾[6]، وكان يُشاهدها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾[7]؛ فلا تظنّوا أنّه حينما نقول “إنّها تحكي عن القرآن” أنّنا نتحدّث عن الاعتبار والمجاز، بل إنّ العلاقة بينهما حقيقيّة. ولهذا السبب، فإنّ هذه الكتابة تكون نورانيّة، ويُدرك نورَها أصحاب البصيرة الباطنيّة، فيرون مثلًا تلك “الواو” التي تكون من القرآن مختلفةً عن الواو التي ليست منه.
فهذا الشهر يتحلّى بتلك الفضائل، حيث إنّ البارئ عزّ وجلّ اختصّ الأمّة الإسلاميّة به، وحبانا شرف الانتماء إلى هذه الأمّة. لقد هيّأ لنا تعالى مجموعة من المقدّمات (أعمّ من الأجداد والبيئة التربويّة والعائلة والحكومة الإسلاميّة والعديد من الوسائل الأخرى) التي تآزرت فيما بينها، لكي نطّلع نحن على القرآن، لكننا، مع الأسف، نسينا هذه النعم الإلهيّة.
فعلى سبيل المثال، نشأتُ في مدينة يزد الملقّبة بدار العبادة والتي تُعدّ من المدن الدينيّة في إيران، وكنت أذهب إلى المدرسة هناك، حيث لم نكن نتوفّر غالبًا على معلّم في دروس القرآن، وكان علينا أن نقرأه لوحدنا؛ وقد عجزت في إحدى المرّات عن قراءة كلمة بشكل صحيح، وعجز جميع المعلّمين الذين سألتهم عن قراءة تلك الآية، ولو من المصحف، اللهمّ إلّا معلم زرادشتيّ كان اسمه رستم، وكان الوحيد الذي يعرف قراءة القرآن من المصحف، في حين أنّ المعلّمين المسلمين كانوا عاجزين عن ذلك!
فهذه هي الوضعيّة التي كانت حاكمةً على فترة القمع التي عشناها آنذاك، بينما نلاحظ الآن مقدار التطوّر الذي وصلنا إليه في مجال ترتيل القرآن وحفظه وقراءته، وكذلك في نطاق التجويد، والتفسير، وبيان شأن نزول الآيات القرآنيّة، والمسابقات القرآنيّة و… فلا ينبغي علينا أن نغفل عن هذه النعم الإلهيّة التي صرنا نتمتّع بها ببركة الثورة الإسلاميّة.
السرور في شهر رمضان شعاع من محبّة الله تعالى
الصفة الأخرى لشهر رمضان المبارك أنّه عيد لأولياء الله تعالى يتكرّر حصوله كلّ سنة. والعيد هو يوم الفرح والسرور الذي يتكرّر حصوله، بمعنى أنّ أولياء الله تعالى يكونون في شهر رمضان مسرورين، ومفعمين بالنشاط، والبسمة تعلو وجوههم، ويُظهرون المحبّة لبعضهم أكثر، وهذه الصفة تختلف قليلًا عن الصفة السابقة. إنّ شهر رمضان المبارك شهر الله الأكبر، وهو شهر ينتسب إليه تعالى، ويعمّ كافة عباده.
إنّ هذا الشهر عبارة عن باب رحمة فتحه الله تعالى في وجه الجميع، فإن أغفل أحد الاستفادة منه، فإنّ اللوم سيقع عليه هو؛ وإلّا، فإنّ البارئ عزّ وجلّ لم يختصّ به أيّ أحد، بل حتّى مرتكبو الكبائر العظمى يُدعون إليه، فإذا أغفل أحد إجابة هذه الدعوة، فإنّ ذلك راجع إلى تقصيره. إنّ هذا الشهر عيد لأولياء الله تعالى، وبعض الناس يرونه كذلك حقًا، بينما نجد بعضًا آخر لا يُحبّونه بتاتًا، فإنّ مستوى محبّة هذا الشهر المبارك يتوقّف على إدراكنا لأهمّيته والمنافع والمصالح المترتّبة عليه.
وإنّ أفعالنا الاختياريّة تنشأ من عنصر إحساسيّ وعاطفيّ، فحينما يُحبّ الإنسان شيئًا ما، فإنّه يتحرّك نحوه. ولهذا، فإنّ الذين يحبّون هذا الشهر هم من يعتبرونه عيدًا، والإنسان لا يصير محبًّا لشهر رمضان المبارك إلّا إذا أدرك أنّه وسيلة للقرب من الله تعالى ورحمته، والراغب في قرب الله تعالى هو من يُحبّ الله؛ وبالتالي، فإنّ أصل كافّة هذه العلاقات هي معرفة الله تعالى ومحبّته، حيث تصير هذه المحبّة علّةً لمحبّة شهر رمضان المبارك والقرآن والرسول والأئمّة و…، لأنّ جميع هذه الأمور تنتسب بنحو ما إلى البارئ عزّ وجلّ، فإذا وُجدت تلك المحبّة الأساسيّة، فإنّ شعاعها سيسطع على جميع ما ينتسب إليه، ولو كان من خلال عدّة وسائط. لكن إذا لم يمتلك الإنسان أيّ حظّ من ذلك الأصل، فإنّ كلّ ما يتوفّر عليه سيكون عاريةً، والعارية ليست أمرًا ثابتًا.
إنّ محبّة الله تعالى من الأمور التي ينبغي أن تكون مكنونةً في بواطننا. لكن، بحقّ، لماذا يُحرم بعض الناس من هذه المحبّة؟ أفهل يوجد شيء محبوب يفتقده البارئ عزّ وجلّ؟ وهل هناك شيء نحتاج إليه لم يُوفّره هو لنا؟ وهل يوجد أيّ سبب للخير والسعادة لم يُقدّمه لنا؟ فإذا تأمّلنا في هذه المسألة بنحو صحيح، فإنّ محبّة الله تعالى ستتجذّر في قلوبنا. ففي المرحلة الأولى، علينا أن نتعرّف بشكل أفضل على الله تعالى وصفاته وبركاته وفيوضاته، حتّى تزداد محبّتنا له. وحينئذ، ستسري هذه المحبّة إلى الأمور الأخرى بمقدار ما تنتسب إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] محمد بن يعقوب الكلينيّ، الكافي، الجزء 2، الصفحة 629.
[2] سورة القدر، الآية 1.
[3] سورة القدر، الآية 4.
[4] محمد بن يعقوب الكلينيّ، الكافي، الجزء 1، الصفحة 364.
[5] سورة الرعد، الآية 31.
[6] سورة عبس، الآية 16.
[7] سورة عبس، الآية 13.
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (3)
الشيخ محمد مصباح يزدي
العلم العائد الى وحيه (4)
محمود حيدر
معنى قوله تعالى:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}
الشيخ محمد صنقور
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا)
الشيخ مرتضى الباشا
أساليب للوالدين لمساعدة أطفالهم على السيطرة على انفعالاتهم وتنظيمها
عدنان الحاجي
ما الفرق بين الرحمانية والرحيمية؟
السيد عادل العلوي
في معنى مرض القلب وسلامته وتفاقمه وعلاجه
السيد محمد حسين الطبطبائي
القوّة الحقيقيّة للإيمان
السيد عباس نور الدين
معنى سلام ليلة القدر
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (نكل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (3)
العلم العائد الى وحيه (4)
التقوى ركيزة
معنى قوله تعالى:{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا)
شرح دعاء اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان
أعظم شهور الله وعيد أحبابه (2)
العلم العائد الى وحيه (3)
(الكوثر وما يسطرون) كتّاب نقديّ حول تجارب عدد من شعراء منتدى الكوثر الأدبيّ في القطيف
ينبوع الوحدة