
أعتقد أنك تستطيع التخمين إلى أين يتجه هذا الأمر، فالإجابة التي ستتبادر إلى ذهن الغالبية العظمى منَّا، على الأقل في أذهان من يحترمون قيمة العقل والمنطق في البحث عن الإجابات ستكون أن هناك جهة ما “صممت” أو “نظمت” الكون ليكون كما هو عليه بغرض إنتاج الحياة فيه وربما بالخصوص الحياة الذكية، ولكن كما ترى فإنَّ هذه الإجابة هي من صنف الميتافيزيقيا وتخرج من نطاق البحث الطبيعي المادي للكون، لذا فبغض النظر عن كونها أفضل إجابة قد يحصل عليها العقل الباحث عن الحقيقة، فإنَّ مؤسسة العلوم الطبيعية لا تتقبل هذه الإجابة وتعتبرها خرقاً للمنهج العلمي الطبيعي للبحث، وانحرافا عن مسار العلم نحو الفكر الثيولوجي والميتافيزيقيا، وتصر على التزامنا بالضوابط والمعايير والقيود في تلك المؤسسة، حسناً، لا بأس، لنمشِ مع مؤسسة العلوم الطبيعية في هذا الأمر وفق الضوابط والمعايير التي تطرحها ونتقيد بالقيود التي تلزمنا بها، ولكي نكون على وضوح فإن تلك الضوابط والمعايير الأساسية التي تتقيد بها المؤسسة العلمية للإجابات المطروحة هي:
أن تكون النظريات والإجابات المطروحة على الأسئلة مبنية إما على التجربة العملية أو المشاهدات الحسية والرصد والمراقبة، بحيث يمكن اختبارها من خلال التجربة أو الرصد والمشاهدة وهو ما يُسمى بالقابلية للاختبار Testability.
أن تكون قادرة على تقديم تنبؤات علمية قابلة للتحقق من صحتها أو خطئها، وهو ما يسمى بالقابلية للتخطئة Falsifiability.
لنرجع الآن إلى حيث تركنا موضوعنا عند نظرية التضخم الكوني، وتذكر أن الأمر كان لا يزال في نطاق المنهج العلمي في نظرية التضخم الكوني بالمستوى الذي عرضناه سابقاً، المشكلة -واسمح لي أن أسميها بالمشكلة لأنها مشكلة كبيرة في نظري-هي أن القلق الذي تسببت به مسألة لغز الضبط الدقيق لثوابت الكون الطبيعية Fine Tuning of the Physical Constants والخوف من تقبل الجماهير لتفسير وجود الخالق للكون كتفسير منطقي لهذا الضبط الدقيق، دفعت بالبعض من العلماء للخروج عن نفس تلك المعايير والضوابط والقيود التي وضعوها للنظريات العلمية المطروحة، فمثلاً لجأ بعضهم إلى القول بأن ذلك التضخم الكوني وإن كان قد توقف خلال جزء من عشرة آلاف جزء من الثانية في “هذا الكون”، إلا أنه مستمر بالحدوث بشكل أبدي Eternal Inflation في “فضاء ما” (وهذا الفضاء خارج هذا الكون الذي نعيش فيه)، ولأن الفضاء مليء بالتذبذبات في الحقل الكمي Quantum Fluctuations وهذه التذبذبات تحوي مقداراً من الطاقة يتناسب عكسيّاً مع طول الفترة الزمنية لتلك التذبذبات كما ينص على ذلك مبدأ هايزنبرغ في اللايقين، فإن التضخم الكوني الأبدي يقوم بتضخيم تلك التذبذبات وينشئ منها أكواناً متعددة مختلفة في ذلك الفضاء الذي يتخلل بين الأكوان المختلفة.
ولأن طاقة الوضع لمجال الجاذبية Gravitational Potential Energy سالبة في مقابل طاقة الكتلة الساكنة Rest Mass Energy الموجبة ومساوية لها بالمقدار بالضبط، فإنَّ محصلة الطاقتين معاً هي صفر وبالتالي فإننا نستطيع القول بأن التضخم الكوني الأبدي يقوم بخلق عدد لا نهائي من الأكوان بدون الحاجة إلى صرف أي مقدار من الطاقة، خلاصة هذا الكلام أن التضخم الأبدي يقوم بخلق أكوان متعددة بشكل لا نهائي من بذور التذبذبات الكمية في الفضاء الذي يتوسط بين الأكوان المختلفة.
خطوة واحدة أخرى وتكتمل الطبخة، لأن التذبذبات الكمية في الفضاء البيني مختلفة عن بعضها البعض فكل منها له طاقة مختلفة عن الأخرى فإن التضخم الكوني الأبدي هنا يمكن تسميته بالتضخم العشوائي Chaotic Inflation لأنه يخلق أكواناً متعددة تختلف عن بعضها البعض في خصائصها وصفاتها وثوابتها الفيزيائية.
هل ترى إلى أين يقودنا هذا؟ عن طريق القول إن هناك ماكينة تخلق بشكل مستمر أكواناً مختلفة طوال الوقت وبشكل لا نهائي أبدي فإن هناك عدداً ضخماً جدّاً من الأكوان المختلفة في الفضاء البيني المتخلل بين تلك الأكوان [1]، وليس غريباً أن تكون إحدى تلك الأكوان المتعددة بثوابت فيزيائية وخصائص تسمح بنشوء النجوم والمجرات والكواكب ومنها الكواكب الصالحة للحياة، ومن ثم نشوء الحياة والحياة الذكية فيها، وحيث إننا لا نستطيع أن نتواجد في غير هذا الكون فإننا بشكل طبيعي نجد أنفسنا -كحياة ذكية- في الكون الذي نتناسب مع خصائصه وثوابته، فما الغرابة في ذلك؟
هذا التفسير أو الفرضية أو النظرية إن شئت تسامحاً أن تسميها كذلك هي البديل الذي يطرحونه لتفسير وجود الخالق الذي خلق وصمم الكون بالشكل الذي هو عليه، ويفترض أن يكون التفسير البديل بتعدد الأكوان منسجماً مع الضوابط والمعايير والقيود العلمية في النظريات كما أسلفنا. بالنسبة لي أجد أن هذا يدخلنا بمجال الخيال العلمي، وربما قد يتحول هذا الخيال العلمي يومًا لواقع علمي، من يدري؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذا التنوع في الأكوان المختلفة يسمونه المشهد الكوني Cosmic Landscape وبحسب الإمكانات الرياضية التي تسمح بها فرضية الأوتار فإن هناك عدداً من الإمكانيات أو الخيارات المختلفة للأكوان بحوالي 10^500 أي الواحد يليه خمسمئة صفر وهو عدد لا أعلم حتى إن كان يمكن نطقه بالكلمات.
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الشيخ محمد صنقور
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)
محمود حيدر
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معنى (ولج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
لا تبذل المجهود!
عبدالعزيز آل زايد
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
قراءة في كتاب: (نداء على حافة الأبدية) للشاعر هادي رسول
معنى أنَّ الإمام الرضا (ع) رضيَ به المخالفون
الإمام الرضا عليه السلام: 19 عاماً من الجهاد
الصداقة الناجحة في كلمات الإمام الرضا (ع)
الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 ه: ولادة الإمام الرّضا (عليه السّلام)
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
علاج ضوئي جديد يمكنه كبح أحد أهم مؤشرات تساقط الشعر
مكارم الأخلاق من حقيقة الوحي دُربة الإنسانية إلى التوحيد والعدل والحياة الطيّبة (6)