قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

معرفة الإنسان في القرآن (14)

تحدثنا عن صفة الجدل عند الإنسان، وقد تعرضّت سورة الحج إلى عدة طوائف من الناس، اثنتان منها مرتبطتان بالجدل، وهو ما نتحدث عنه في هذه الحلقة، ونؤجل الحديث عن طوائف أخرى إلى الحلقة القادمة.

 

قال الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ) (الحج: 3). وقال سبحانه وتعالى (ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدىً ولا كِتابٍ مُنِيرٍ(8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحج: 8-9).

 

س: ما الفرق بين الآية الثالثة والآية الثامنة من نفس السورة، إذ كلاهما تتحدث عن الذين يجادلون في الله بغير علم؟

 

ج: الآية الثالثة تتحدث عن الأتباع المقلِدين، وذلك بدليل قوله تعالى في نهاية الآية (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ)، أما الآية الثامنة فتتحدث عن رؤوس وأئمة الضلال، وذلك بدليل قوله تعالى في الآية التاسعة (لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ).

 

والجدير ملاحظته أن الجدال له مراتب مختلفة ومجالات، ومن ذلك الجدال في آيات الله، قال عزّ وجلّ (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) (غافر: 4). أما الآيتان في سورة الحج، فقد ذكرتا (الجدال في الله) وليس (في آيات الله تعالى).

 

س: ما المقصود بالجدال في الله؟

 

ج: لعل المقصود هو الحديث عن أصل وجود الله تعالى وعدمه، والكلام حول صفات الله وأفعاله، وماذا يجب على الله فعله، وما الذي لا ينبغي أن يفعله الله، وأمثال ذلك.

 

س: متى يكون الجدال في الله مذمومًا؟

 

ج: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ).

 

إذن (الجدال بالتي هي أحسن) مقبول بشرط ومورده. أما الجدال بغير علم فهو أمر مذموم، لا سيما إذا كان الجدال والحديث مرتبطًا بالله تعالى أو بآياته، فيجب أن يكون الحديث مستندًا إلى أدلة قوية وواضحة.

 

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ)

 

عندما تكون القاعدة الفكرية هشّة وضعيفة، ومع ذلك يجادل الإنسان ويصّر على موقفه ورأيه، لا سيما في الأمور الخطيرة والأساسية كالمسائل المرتبطة بالله تعالى، هذا الأمر يمهد الأرضية إلى (نتيجة عملية ميدانية خطيرة جدًّا) وهو اتباع (كل شيطان مريد) والشياطين أنواع كثيرة (شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).

 

ونرى أن الاتباع هنا  لــ (كل) شيطان مريد، والمريد هو الخبيث العاري عن الخير والصلاح، فينطبق عليهم ما ورد في نهج البلاغة (وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق).

 

فكلما جاءت موجة انحرافية انجرفوا معها، واتبعوها، وحملوا رايتها بلا وعي ولا بصيرة. فانحرافه لا يقف عند مستوى أو درجة أو نوع معين فقط، بل ينجرفون أكثر وأكثر (وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا).

 

(ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدىً ولا كِتابٍ مُنِيرٍ)

 

س: أما الكتاب المنير فالظاهر أن المراد به الكتب السماوية التي جاء بها الوحي لتنير للناس الطريق. فما هو الفارق بين (العلم) و(الهدى)؟

 

ج: للمفسرين آراء في هذا المجال أقربها ما يلي:

 

المقصود بالعلم هنا هو الاستدلالات العقلية.

 

وأما المقصود بالهدى هنا فهو إرشاد وموعظة القادة الربانيين، ويضاف إلى ذلك الإرشادات المعنوية التي تشرق في قلب الإنسان بالفطرة، أو يكتسبها الإنسان في ظل بناء الذات وتهذيب النفس.

 

(ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)

 

الثني معناه معروف، ومنه ثني الورقة.

 

والعِطف (بكسر حرف العين) هو الجانب.

 

وثني العطف كناية عن الإعراض والتكبر والغرور، كأن المعرض يكسر أحد جانبيه على الآخر. وهذه الصورة قريبة من صورة تصعير الخد (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).

 

وصفة التكبّر من أهمّ الصفات الموجبة لخسران الإنسان وضياعه، ومن قبل ذلك كانت هي الصفة التي أخرجت إبليس من المقام الذي كان فيه، حيث تكبّر ورفض الانصياع إلى أمر الله تعالى بالسجود إلى آدم. وهناك أدلة عديدة تبيّن دور التكبّر في إنكار الدين كله، ورفض الاعتراف بالله أو بالرسول والآخرة (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)، (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

 

اللام في قوله تعالى (لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) قد تكون للتعليل، فهو يقوم بما تقدّم من أجل إضلال الناس عن سبيل الله. وقد تكون اللام للعاقبة، بمعنى أن من يفعل الأمور المتقدّمة ستكون نتيجة عمله هو أن يضّل الناس عن سبيل الله.

 

(لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ)

 

الخزي في الدنيا هو الهوان والذلة والفضيحة في الدنيا، وإلى ذلك آل أمر صناديد قريش وأكابر مشركي مكة، كما آل مصير الطغاة على مر العصوّر، فانظر إلى الخزي الذي وقع بصدّام حسين، وبمعمّر القذافي وأمثالها.

 

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

 

ومن الأمثال على ذلك: الخزي الذي وقع بيزيد بن معاوية وهو في مجلسه، وعلى كرسي سلطنته، حيث وقفت في وجهه السيدة زينب بنت أمير المؤمنين وقالت له (ولئن جرت عليّ الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكبر توبيخك...، فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد...).

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد