﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾
الإعراب:
ما أدراك «ما» مبتدأ وجملة أدراك خبر. ما ليلة القدر مبتدأ وخبر. وليلة القدر مبتدأ وخير خبر. تنزل أي تتنزل. وسلام خبر مقدم وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي سلامة، وهي مبتدأ مؤخر. وحتى حرف جر بمعنى إلى ومطلع مجرور بها متعلقًا بسلام وقيل بتنزل.
المعنى:
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). الضمير في أنزلناه للقرآن لحضوره في الأذهان، وليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان المبارك للأحاديث المتضافرة، ولقوله تعالى: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» - (185 البقرة). فإذا عطفنا هذه الآية على قوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» كانت النتيجة أن ليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان. وتعددت الأقوال في تعيين هذه الليلة من الشهر المذكور تبعًا لتعدد الأحاديث، وسكت كتاب اللَّه عن ذلك للحث على إحياء جميع ليالي شهر رمضان بالعبادة كما قيل.
وفي رواية عن الإمام جعفر الصادق (ع): أن سائلاً سأله عنها فقال له: اطلبها في تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وجرت العادة عند أهل السنة أن يقيموا شعائرها في ليلة السابع والعشرين.
وأطرف ما قرأته حول تعيين هذه الليلة ما جاء في كتاب أحكام القرآن لأبي بكر المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي المالكي، قال صاحب الكتاب ما نصه بالحرف: إنها في ليلة السابع والعشرين لأن العلماء عدّوا حروف السورة فلما بلغوا إلى كلمة «هي» وجدوها سبعة وعشرين حرفًا، فحكموا عليها بها - أي حكموا على ليلة القدر بالحروف المعدودة - وهو أمر بيّن وعلى النظر بعد التفطن له هي ، ولا يهتدي له إلا من كان صادق الفكر سديد العبرة». وليست هذه «العبقرية» في الاستنتاج، وهذا «الورع» في تفسير كلام اللَّه - بالشيء الغريب عن الذي قال معلقَا على فتوى للإمام الشافعي: «هذا كلام من لم يذق طعم الفقه».
وأيضَا قال تعليقَا على فتوى للإمام أبي حنيفة: «هذا فقه ضعيف». انظر كتاب «أحكام القرآن» ج 2 ص 239 طبعة 331 ه.
وقال الشيخ محمد عبده: ليلة القدر هي ليلة عبادة وخشوع وتذكر لنعمة الحق والدين.. ولكن المسلمين في هذه الأيام يتحدثون فيها بما لا ينظر اللَّه إليهم، ويسمعون شيئًا من كتاب اللَّه لا ينظرون فيه ولا يعتبرون بمعانيه، بل إن أصغوا فإنما يصغون لنغمة تالي القرآن.. ولهم خيالات في ليلة القدر لا تليق بعقول الأطفال فضلاً عن الراشدين من الرجال.
واختلفوا: هل نزل القرآن جملة واحدة أو نجومًا؟ والحق أنه نزل نجومًا، وإن معنى أنزلناه في ليلة القدر أن ابتداء النزول كان في هذه الليلة.... وأيضَا اختلفوا: لماذا سميت هذه الليلة بليلة القدر؟
فمن قائل: لأن اللَّه سبحانه يقدّر ويقسم الأرزاق والآجال في هذه الليلة بين عباده، وقائل: إن المراد بالقدر هنا الشرف والعظمة. وهذا القول أقرب إلى كلمة القدر لأنه يقال: فلان له قدر أي شرف وعظمة، ويؤيده أن اللَّه سبحانه وصف هذه الليلة بالمباركة في الآية 3 من سورة الدخان «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ» والبركة السعادة والنمو، وليس من شك أن الإنسانية تنمو وتسعد لو سارت على نهج القرآن الذي نزل في ليلة القدر.
(وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ). هذا تعظيم لشأنها وعلو قدرها وأنه فوق التصور (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) لا قدر فيه وإلا لزم تفضيل الشيء على نفسه، والمعنى أن من أحيا ليلة القدر بالعبادة وعمل الخير فكأنما عبد اللَّه ألف شهر.
قال الرازي: «هذه الآية فيها بشارة عظيمة، وفيها تهديد عظيم، أما البشارة فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير ولم يبين قدر الخيرية، وهذا كقول النبي (ص) لعلي (ع) لمبارزة علي مع عمر بن ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة، فلم يقل مثل عمله بل قال أفضل، كأنه يقول: حسبك هذا من الوزن والباقي جزاف».
(تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ). كثرت في هذه الآية التفاسير والأقوال، ونذكر أولاً معاني مفرداتها ثم مجمل المعنى. وتنزل لا يحتاج إلى تفسير، ولكن اللَّه سبحانه لم يذكر إلى أين تنزل ملائكته ليلة القدر؟ هل تنزل إلى أرضنا أو إلى غيرها من الأفلاك أو إلى كل مكان كما يقتضيه حذف المتعلق؟.
والروح هو جبريل، وضمير فيها يعود إلى ليلة القدر، وبإذن ربهم أي بأمره، ومن كل أمر «من» سببية أي لأجل، وكل أمر يعم كل شيء في السماوات والأرض، ومجمل المعنى أن اللَّه سبحانه يأمر في ليلة القدر الملائكة بالنزول إلى كل مكان من أجل كل شيء.. وإذا سئلنا: ما هو المراد من أجل كل شيء؟ هل هو تدبير الأشياء وتقرير مصيرها أو معاينتها وإحصاؤها أو غير ذلك؟ إذا سئلنا عن ذلك قلنا: اللَّه أعلم. وقال الشيخ محمد عبده: المراد أن أول عهد النبي (ص) بشهود الملائكة كان في ليلة القدر!.. وهذا بعيد عن ظاهر اللفظ.
(سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ). ضمير هي يعود إلى ليلة القدر، ولكن هل المراد أن السلام إلى مطلع الفجر يكون في جميع ليالي القدر وأنه لا يقع شيء من الشرور والآفات في أية ليلة من ليالي القدر؟ أو أن السلام إلى مطلع الفجر كان في خصوص الليلة التي نزل فيها القرآن على قلب رسول اللَّه؟. الظاهر من عبارة المفسرين العموم، ومن عبارة الشيخ محمد عبده الخصوص، قال: «إنها كانت ليلة سالمة من كل شر وأذى.. فرّج اللَّه فيها عن نبيه وفتح له فيها سبيل الهداي ، فأناله بذلك ما كان يتطلع إليه».
السيد محمد حسين الطبطبائي
الشيخ محمد مصباح يزدي
الفيض الكاشاني
الشيخ محمد صنقور
السيد عادل العلوي
عدنان الحاجي
السيد محمد حسين الطهراني
السيد عباس نور الدين
الشيخ جعفر السبحاني
السيد جعفر مرتضى
عبد الوهّاب أبو زيد
فريد عبد الله النمر
جاسم الصحيح
حبيب المعاتيق
الشيخ علي الجشي
حسين حسن آل جامع
الشيخ عبد الحميد المرهون
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
جاسم بن محمد بن عساكر
حرّيةُ الإنسان: لا حرّيّة أمام كلمة الحقّ
ألفاظ القرآن الكريم: وجوه المعاني وأنواعها
المعاد في القرآن الكريم
(ميزان الحكمة): موسوعة حديثيّة معاصرة
من وصايا الفَيض الكاشانيّ (قدّس سرّه)
وصف الله بالحكيم ليس متوقفاً على نفي العبث
قواعد في التميّز العلمي
التعددية الدينية
زيادة الذاكرة
الضمائر في سورة الشمس