مقالات

التقوى، العطاء، الإيثار في شهر رمضان

السيد محمد تقي مدرسي

 

(يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَانسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ اوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر / 18 - 19)

 

خلال شهر رمضان المبارك نتزود بالتقوى، وهي الفضيلة التي تنفعنا في مواطن كثيرة؛ من أبرزها أن الإنسان المتقي يكون جواداً كريم النفس معطاءً محسناً للآخرين متفضلًا عليهم. فهو يبحث - بدافع التقوى - أن تكون يده هي العليا في أية علاقة تربطه والآخرين، ويريد أن يكون الأمثل والأفضل.

 

ولكن البعض من الناس يريد الخير كله للآخرين، بمعنى أنه يريد لجاره أن يكون فاضلًا، وصديقه تقياً، وتلميذه صالحاً.. غافلاً عن أن يبحث أو يريد هذه الصفات الحسنى وغيرها لنفسه قبل غيره. فلماذا لا أكون (أنا) أول ملتزم بهذه الصفات؟

 

إن العطاء من أفضل الفضائل، لأن من يعط يقه الله شح نفسه، نظراً لأن الإنسان عمومًا يعيش في زنزانة ذاته، ويبحث عن مصالحه الشخصية، ويفكر في أنانيته وفيما ينتفع به في لذاته وشهواته. أما إذا تمكن من التحرر من زنزانة ذاته، ودائرة أنانيته المظلمة وأعطى للآخرين، وكان كريماً وجواداً، فإنه في واقع الأمر يكون قد قفز قفزة واسعة للغاية في مسيرة تطوره وتكامله وسموه، إذ انه استطاع الوصول إلى حقيقة الإنسانية وجوهر الآدمية، لأنه يعيش الحق والإحسان والإنصاف، ولا يعيش الذات والهوى.

 

ومن هنا، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في سورة الحشر المباركة؛ وهي السورة نفسها التي ضرب الله المثل فيها بالأنصار الذين آثروا المهاجرين في التاريخ على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. قال جل اسمه: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللّه)َ ووسيلة التقوى: العقيدة والسلوك، وهي: (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) أي إنه من الخطأ أن يجعل المؤمنون كل طاقاتهم وإمكاناتهم وثرواتهم حكراً على هذه الدنيا، بل لابد أن يكون قسم منها للآخرة؛ الآخرة التي هي جزءٌ من حياة الإنسان أيضًا، فلماذا هذا الولع بساعة أو ساعتين، ويوم ويومين، ومجرد سنة أو سنتين من عمره؟ ولماذا هذه الغفلة الرهيبة عن اللحظات الحاسمة في الحياة، أو ما يمكن تسميته بالعاقبة؟!

 

وعليه؛ فمن الجدير بنا أن نتعلم ونستفيد من التقوى، هذه الصفة، صفة الجود والكرم، وأن يكون الواحد منا لدى تعامله والآخرين يبحث عما يمكنه منحه لهم، لا عما يأخذه منهم، وأن يكون ممن يوق شح نفسه ويترفع على الأنانية والبخل والجمود..

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد