مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

التفقّه في الدعاء (5)

تقدّم سابقًا بعض الأدلة على أفضلية الدعاء على تلاوة القرآن الكريم، ولكن ربما تصوّر البعض – وهو خاطئ في تصوّره - أنّها دعوة إلى إهمال التلاوة، وهذا غير صحيح، فاقتضى الأمر أن نتعرّض لبعض الأدلة في مقدار تلاوة القرآن الكريم:

 

قال الشيخ المفيد: (وقد روي: أنّه يختم فيه [في شهر رمضان المبارك] عشر مرات، كل ثلاثة أيام ختمة. وروي أيضًا أكثر من ذلك ... وروي عن الباقر عليه السلام أنّه قال: لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان) (المصدر: المقنعة: 311).

 

والظاهر أن عدد مرات ختم القرآن الكريم في سائر الشهور، وفي شهر رمضان المبارك، يتأثر بمستوى قابلية القارئ نفسه وحضور قلبه، فلاحظ بعض الروايات:

 

أولاً: فيما يرتبط بسائر الشهور:

 

أ- عن محمد بن عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أقرأ القرآن في ليلة؟ قال: لا يعجبني أن تقرأه في أقل من شهر. (المصدر: الكافي 2: 617).

 

ب- كان الإمام الرضا – عليه السلام - يختم القرآن الكريم في كل ثلاثة أيام، ويروى عنه: (لو أردت أن أختمه في أقل من ثلاث لختمت، ولكن ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها، وفي أي شيء أنزلت، وفي أي وقت، فلذلك صرت أختم في ثلاثة أيام). (المصدر: الأمالي للشيخ الصدوق: 758).

 

ثانيًا: فيما يرتبط بشهر رمضان المبارك:

 

عن علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال له: جعلت فداك، أقرأ القرآن في ليلة؟

 

فقال: لا.

 

فقال: في ليلتين؟

 

فقال: لا.

 

حتى بلغ ست ليال، فأشار بيده فقال: ها [أي نعم لا بأس بختم القرآن في ست ليالي خلال سائر الشهورٍ].

 

ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا محمد، إن من كان قبلكم من أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله) كان يقرأ القرآن في شهر وأقل، إنّ القرآن لا يقرأ هذرمة، ولكن يرتل ترتيلاً، إذا مررت بآية فيها ذكر النار وقفت عندها، وتعوّذت بالله من النار.

 

فقال أبو بصير: أقرأ القرآن في [شهر] رمضان في ليلة؟

 

فقال: لا.

 

فقال: في ليلتين؟

 

فقال: لا.

 

فقال: في ثلاث؟

 

فقال: ها، وأومأ بيده (نعم)، شهر رمضان لا يشبهه شيء من الشهور، له حق وحرمة، أكثِر من الصلاة ما استطعت. (المصدر: الكافي 2: 618).

 

وهنا يأتي الإشكال التالي:

 

إذا تلونا القرآن الكريم في ثلاثة أيام، بمعدل (عشرة أجزاء في اليوم الواحد) فهذا سيؤدي إلى عدم التدبّر، ومجرد لقلقة اللسان بالآيات بدون التفات ولا استفادة، أليس من الأفضل أن نقلل الكمية، لنحصل على الكيفية والجودة؟

 

والجواب على ذلك:

 

أولاً: تقدّم سابقًا أن كمية التلاوة تختلف باختلاف الأشخاص وحضور قلبهم، ولذلك اختلفت الروايات أيضًا في بيان الكمية.

 

ثانيًا: كما أن الكيفية مطلوبة في العبادة، فكذلك الكميّة مطلوبة أيضًا في العبادة.

 

قال الله سبحانه (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). (هود: 7)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا). (الأحزاب: 41) (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا). (طه: 33- 34).

 

ولذا ورد استحباب صلاة إحدى وخمسين ركعة في كل يوم وليلة، واستحباب صلاة ألف ركعة في ليالي شهر رمضان المبارك وغير ذلك. علمًا أن الكمية في بعض الموارد وبشروط معينة تؤدي إلى تحسين الكيفية، كمن يتدرّب ويتمرّن رياضيًا فإن كمية التدريب والتمرين لها دور مباشر ومؤثر في تحسين كيفية الأداء، وكذلك الحال بالنسبة لتمرين الصوت على الأطوار أو الألحان، فإنّ الكثرة وبشروط معينة، تؤدي إلى تحسين الكيفية في الأداء. وفي الطرف المقابل: تقليل الكمية يؤدي إلى ضعف الجودة والكيفية في كثير من الموارد.

 

وإجمالاً:

 

الواقع الذي نحن فيه: تركنا (الكم) بحجة المحافظة على (الكيف)، فأضعنا (الكم والكيف) معًا، فأصبحنا نختم القرآن الكريم في شهر رمضان كله مرة واحدة فقط مثلاً، وبدون تدبر ولا حضور قلب ولا بحث عن معاني ولا تطبيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد