قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ مرتضى الباشا
عن الكاتب :
الشيخ مرتضى الباشا، من مواليد سيهات في 1395 هـ، التحق بالحوزة العلميّة ودرس على مجموعة من علمائها، له كثير من النّشاطات والمشاركات عبر مواقع الإنترنت، وله العديد من المؤلفات منها: الحبوة في مناسك الحج، أسرار الحج في كلمات العلماء، ذبائح أهل الكتاب (دراسة مقارنة)، فيه آيات بينات، ومذاكرات في التقريب والوحدة (المنهج التقريبي السليم).

معرفة الإنسان في القرآن (4)

قال الله تعالى (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿19﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿20﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿21﴾ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴿22﴾ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴿23﴾ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ﴿24﴾ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) سورة المعارج.

 

الهلوع صفة مشتقة من الهلع بفتحتين وهو شدة الحرص، والهلوع هو تعبير يجمع جانبين: 1- الجزوع عند الشر، 2-المنوع عند الخير.

 

والتعبير القرآني بالمسّ في الآيتين، يدل على أنّ الإنسان يجزع حتى للشر القليل، فمجرد أن يمسّه الشر يجزع، وكذلك بمجرد أن يمسّه القليل من الخير يمنعه عن الآخرين ويتمسك به. وما ذلك إلا لضعف الإنسان وحاجته.

 

يبدو للوهلة الأولى أن الآيات السابقة تذمّ الإنسان، من هنا جاء السؤالان التاليان:

 

السؤال الأول: تنص الآية على أن الإنسان (خُلق) على هذه الكيفية، فكيف يذمّ الله طريقة خلقه للإنسان؟

 

السؤال الثاني: كيف نجمع بين هذا الذمّ (الذي فهمناه للوهلة الأولى) وبين قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: 4)، وقوله سبحانه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (السجدة: 7)؟

 

في الإجابة على السابق يوجد اتجاهان رئيسيان:

 

الاتجاه الأول: ذهب إليه الزمخشري في تفسيره الكشّاف، وهو مبني على الاعتراف بأن الآيات في سورة المعارج تذّم الإنسان بشكل عام.

 

الاتجاه الثاني: ذهب إليه العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان، وهو مبني على التعمّق أكثر في فهم الصفات المذكورة، ومن ثم الوصول إلى عدم كونها ذمًّا من حيث أصل وجودها في خلقة الإنسان.

 

توضيح رأي الزمخشري:

 

أولاً: الإنسان ليس مخلوقًا حقيقة على الهلع والجزع والمنع، ويدل على ذلك:

 

1- أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع، ولا جزع، ولا منع.

 

2- الله سبحانه ذمّ هذه الصفات، فكيف يكون هو من أودعها في خلقة الإنسان؟!

 

3- الآيات استثنت طائفة وهو المصلّين الذين هم على صلاتهم دائمون... إلخ، ولو كانت الصفات المذمومة السابقة مودوعة في أصل الخلقة لما تمكّن المؤمنين من التخلّص منها.

 

وحاصل رأي الزمخشري:

 

إنّ الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه ورسوخهما فيه، كأنّه مجبول عليهما مطبوع، وكأنّه أمر خلقي وضروري غير اختياري، كقوله تعالى (خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) فإنّ الإنسان لم يُخلق من العجلة، ولكنه تعبير بلاغي يدل على شدة رسوخ هذه الصفة فيه، وكذلك الحال في (هلوعًا- جزوعًا- منوعًا).

 

مقدّمة لفهم رأي العلامة الطباطبائي:

 

إنّ الله تعالى جهزّ الإنسان ببعض الغرائز الضرورية في استمرار وجوده وفي وصوله إلى كماله، إلا أن عملية السيطرة على تلك الغرائز هي مسؤولية الإنسان نفسه، فإما أن يقع في الاعتدال أو الإفراط أو التفريط.

 

مثلاً: شهوة البطن من ضروريات استمرار الوجود البشري على الأرض، إلا أن البعض يقع في الإفراط بحيث يصبح عبدًا لشهوة البطن. والبعض الآخر يتعامل مع هذه الشهوة باعتدال ووفق الضوابط الشرعية والصحية.

 

مثال آخر: شهوة الفرج أيضًا من ضروريات استمرار الوجود البشري على الأرض، إلا أن البعض يصبح عبدًا لشهوته، ويتبعها كيفما اشتهت، والبعض الآخر يسيطر على تلك الشهوة، ويتحكم فيها بما تقتضيه الضوابط والقوانين الشرعية وغيرها.

 

والحاصل مما تقدّم: هنا جملة من الصفات والغرائز أصل وجودها ليس عيبًا ولا نقصًا، بل وجودها ضروري، ولكن على الإنسان أن يسيطر عليها، ويضعها في موضعها الصحيح. ومن ذلك صفة (الهلع- الجزع- المنع).

 

توضيح رأي العلامة الطباطبائي:

 

ليس الهلع وشدة الحرص المجبول عليه الإنسان - وهو من فروع حب الذات - في حد نفسه من الرذائل المذمومة، كيف؟ وهي الوسيلة الوحيدة التي تدعو الإنسان إلى بلوغ سعادته وكمال وجوده. وإنما تكون رذيلة مذمومة إذا أساء الإنسان في تدبيرها فاستعملها فيما ينبغي وفيما لا ينبغي، وبالحق وبغير حق، كسائر الصفات النفسانية التي هي كريمة ما لزمت حد الاعتدال، وإذا انحرفت إلى جانب الإفراط أو التفريط عادت رذيلة ذميمة.

 

فالطفل في بداية حياته (بما لديه من إدراك) يرى أنّ هذه اللعبة خير له، لذلك فهو يتمسك بها بكل ما لديه من قوة، ويمنعها من الآخرين، وعندما تكبر (إدراكاته) ينتقل بعد ذلك للتمسك بأمور أخرى تناسب مستوى إدراكه.

 

وينبغي أن نلتفت هنا أيضًا، إلى أن الإنسان الذي يتصدّق ويتخلى عن المال، إنما يفعل ذلك نتيجة لما أدركه من كون هذا الفعل فيه خير أكثر له من بقاء المال في يده. وكذلك الشخص الذي يضحّي بحياته في سبيل الله تعالى، إنما يفعل ذلك لأنه يدرك أن في الشهادة خير كثير يفوق الخير الموجود في بقائها في هذه الحياة الدنيا، قال الله تعالى (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ) (البقرة: 272)، (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ  وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء: 7).

 

من هنا تبرز أهمية تصحيح قناعات الإنسان نفسه ومعلوماته، لئلا يتمسك بأمر باعتقاد أنّه خير له، وينفر من أمر آخر باعتقاد أنّه شرّ له، في حين أنّ الواقع ليس كما يعتقد.

 

1- من أهم أسباب تهذيب النفس وترويضها (الصلاة).

 

2- عجيب آثار الصلاة وفوائدها، وعجيب أمر البشر، مهما بيّن الله تعالى من فوائد للصلاة في كتابه العزيز، إلا أن البشر عادة لا يهتم بالصلاة الاهتمام اللائق بها.

 

3- جاء في الروايات أن المقصود بالصلاة في الآيات السابقة هي النوافل. والحاصل أن أولئك لديهم (صلوات نوافل مستحبة) يداومون على الإتيان بها.

 

4- إنما يكمل أثر العمل بالمداومة عليه.

 

أ- روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) : ما من شيء أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من عمل يداوم عليه، وإن قلّ.

 

ب- وروي عن الإمام السجّاد (عليه السلام) أنه كان يقول: إني لأحبّ أن أداوم على العمل، وإن قلّ.

 

تقريب الفكرة:

 

انظر إلى ممارسة الرياضة مثلاً، تجد أنك لا تحصل على فوائد الرياضة بممارستها مرة واحدة فقط، أو في أوقات متباعدة جدًا، بل يلزمك المداومة عليها لتحصل على فوائدها وثمارها.

 

وكذلك عملية التفكير والبحث العلمي أو المذاكرة، تجد أنك لا تصل إلى النتائج المرجوة إلا بالتكرار والاستمرار.

 

إذن تلك الصلاة المستحبة، أو ذلك العمل المندوب، أشبه بالدرج، الذي يجب أن تستمر في الصعود فيها درجة درجة إلى أن تصل إلى الهدف الذي تطمح إليه، ومجرد الإتيان به مرة واحدة (وإن كان فيها أجر وثواب) إلا أن الانقطاع أشبه بالتوقف على الدرجة الأولى أو الثانية من الدرج، دون الوصول إلى الثمرات والفوائد الروحية والكمالية.

 

من خلال الصفة الثانية يسيطر الإنسان على (الهلع-الجزع المنع) وهو عبارة عن الإنفاق في سبيل الله تعالى.

 

وفي العديد من الروايات الشريفة أن هذا الإنفاق المقصود ليس هو الخمس والزكاة الواجبة، بل هو أمر إضافي مستحب، إلا أن أولئك المؤمنين مواظبين عليه (حق معلوم) يخرجه الإنسان بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري أو سنوي (حسب طاقته ووسعه).

 

أ- في رواية أبي بصير قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ومعي بعض أصحاب الأموال ... قال: قلت ماذا الحق المعلوم الذي علينا؟ قال: هو الشيء يعمله الرجل في ماله يعطيه في اليوم، أو في الجمعة، أو في الشهر، قلّ أو كثر، غير أنه يدوم عليه ... إلخ.

 

ب- وفي رواية القاسم بن عبد الرحمان الأنصاري قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن رجلاً جاء إلى أبي علي بن الحسين (عليهما السلام) وقال له: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (وفي أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم) ما هذا الحق المعلوم؟

 

فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): الحق المعلوم الشيء يخرجه من ماله، ليس من الزكاة، ولا من الصدقة المفروضتين، فقال: وإذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة فما هو؟ فقال: هو الشيء يخرجه من ماله، إن شاء أكثر، وإن شاء أقلّ، على قدر ما يملك. فقال له الرجل: فما يصنع به؟ قال: يصل به رحمًا، ويقوّي به ضعيفًا، ويحمل به كلًا، أو يصل به أخًا له في الله، أو لنائبة تنوبه. فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.

 

بقيت نقطة:

 

1- أما السائل فهو الذي يطلب منك المساعدة.

 

2- وأما المحروم فهو الذي يسعى ويتحرك ويعمل ويطلب الرزق، إلا أنّ الله تعالى لم يكتب له السعة في الرزق، ولا يسأل (لا يطلب المساعدة) لتعففه وحيائه، فهو محروم، وعليك أن تبحث عنه وتسعى إليه، وتقوم بمساعدته (حسب المستطاع).

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد