
الغيرية وبطلان المحايدة
هل المحايد ذاتٌ مفارقةٌ لسائر الذوات المنخرطة في تدافع أبدي لتحصين هوَّياتها وحفظ مصالحها؟
الواقع كما مرَّ معنا أن المحايد من حيث كونه محايدًا هو كائن لا فِعَالَ له بين كائنات فاعلة. ولنا من اختبارات الحضارة الغربية الحديثة ما يفيد المقصد. فلو كانت التعاليم الكلية لعصري النهضة والتنوير مثل الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان خارج تحيُّزات الهوية القومية للشعوب الأوروبية، لكان عالمنا اليوم ينعم في أرجاء مدينة كونية فاضلة.
أما الذي حدث فهو خلاف ذلك؛ ذلك بأن كل ما تنتجه الحضارات من قيم آيلٌ إلى التوظيف والاستخدام في إطار مجالها الجيو-حضاري. لذا لم تعرف هذه القيم الحياد، بل هي دخلت في صميم التشكُّل الحضاري الغربي مع ما ترتب عليها من نزعات عنصرية حيال الآخر وتسويغ ثقافة الاستعلاء عليه.
على سبيل المثال: لم تأخذ الذاتية والآخَرية كل هذه المساحة من الجدل الفكري بين النخب الغربية لو لم تتحول إلى عقدة “نفس ـ حضارية” صار شفاؤها أدنى إلى مستحيل. وما جعل الحال على هذه الدرجة من الاستعصاء، أن العقل الذي أنتج معارف الغرب ومفاهيمه، كان يعمل في الغالب الأعم على خط موازٍ مع السلطة الكولونيالية، ليعيدا معًا إنتاج أيديولوجيا كونية تنفي الآخر وتستعلي عليه.
إنها معضلة التحيُّز الحاد لهوية أوروبا في امتداداتها الإمبريالية؛ وهي المعضلة التي تسللت إلى روح الحداثة، فأمسكت بها ولمَّا تفارقها قط. فلقد تشكّلت رؤية الغرب للغير على النظر إلى كل تنوع حضاري باعتباره اختلافًا جوهريًّا مع ذاته الحضارية. ولم تكن التجربة الاستعمارية المديدة سوى حاصل رؤية فلسفية تمجّد الذات وتُدني من قيمة الآخر. من أجل ذلك سنرى كيف سينشئ فلاسفة الحداثة وعلماؤها أساسًا علميًّا وفلسفيًّا لشرعنة الهيمنة على الغير بذريعة “تحضيره” وإدخاله قسرًا تحت سطوتها.
لقد عُدَّتِ الحضارةُ الغربية في المخطّط الأساسي للتاريخ وفي الأيديولوجيّات الحديثة، وحتى في معظم فلسفاتِ التاريخ بوصف كونها الحضارة الأخيرة والمطلقة؛ أي تلك التي يجب أن تعمّ العالم كلّه، وأنْ يدخلَ فيها البشر جميعًا. في فلسفة القرن التاسع عشر يوجد من الشواهد ما يعرب عن الكثير من الشك بحقّانية الحداثة ومشروعيتها الحضارية، لكنّ هذه الشواهد ظلّت غير مرئية بسبب من حجبها أو احتجابها في أقل تقدير، ولذلك فهي لم تترك أثرًا في عجلة التاريخ الأوروبي.
فلقد بدا من صريح الصورة أن التساؤلات النقدية التي أُنجزت في النصف الأول من القرن العشرين، وعلى الرغم من أنها شكّكت في مطلقية الحضارة الغربية وديمومتها، إلا أنها خلت على الإجمال من أيّ إشارة إلى الحضارات الأخرى المنافسة للحضارة الغربية. حتى أن تويبني وشبينغلر حين أعلنا عن اقتراب أجلِ التاريخ الغربيّ وموته، لم يتكلّما عن حضارةٍ أو حضاراتٍ في مواجهة الحضارة الغربية، ولم يكن بإمكانهما بحث موضوع الموجود الحضاري الآخر، ففي نظرهما لا وجود إلا لحضارة واحدة حيّة ناشطة هي حضارة الغرب، وأما الحضارات الأخرى فهي ميتةٌ وخامدةٌ وساكنة…
حين توصّل جان بول سارتر إلى قوله المشهور: “الآخر هو الجحيم”، لم يكن قوله هذا مجرد حكم يصدِرهُ على آخر أراد أن يسلبه حريته أو علَّةَ وجوده، وإنما استظهر ما هو مخبوء في أعماق الذات الغربية. إذ لا موضع ـ حسب سارتر ـ للحديث عن محبة أو مشاركة أو تآزر بين الذوات، لأن حضور الذات أمام الغير هو بمثابة سقوط أصلي، ولأن الخطيئة الأولى ـ حسب ظنّه ـ ليست سوى ظهوري في عالم وُجِدَ فيه الآخرون..”.
ولأن غيريّة الغرب هي غيريةٌ مشحونةٌ بالخوف على الذات من الآخر إلى هذا الحد، فلن تكون في مثل هذه الحال سوى إعراب بيِّن عن ظاهرة هيستيرية لا تقوم قيامتها إلا بمحو الآخر أو إفنائه. سواء كان محوًا رمزيًّا، أو عبر حروب إبادة للغير لا هوادة فيها.
لقد كان التفكير العنصري جزءًا لا يتجزأ من العلم وفلسفة التنوير. ولم تكن عادة تصنيف الآخرين إلى فئات “طبيعية”، وبالطريقة نفسها التي صنّفت فيها الطبيعة، سوى مظهر من مظاهر “التراث التنويري”. جمعٌ من فلاسفة وعلماء الطبيعة في القرن الثامن عشر من كارل فون لينيه kARL VON LINNE إلى هيغل، سوف يسهمون في وضع تصنيف هَرَمي للجماعات البشرية.
الشيء الذي كان له عظيم الأثر في تحويل نظرية النشوء والارتقاء الداروينية على سبيل المثال إلى فلسفة عنصرية في مطالع القرن الحادي والعشرين. أما أحد أكثر تصنيفات المجتمعات الإنسانية ديمومة، والتي تمتد جذورها إلى اليوم، فهي ما تمثله ملحمة الاستشراق التي ولدت كترجمة صارخة لغيرية لم تشأ أن ترى إلى الغير سوى موجودات مشوبة بالنقص، أو كحقل خصيب لاختباراتها وقسوة أحكامها.
إذن، الحياد عَرَضٌ يحدث ويمضي ولا أصالة له. هو خاضعٌ دائمًا لمؤثِّر من خارجه، وإذا لم يوجد المؤثِّر فلا حاجة إليه.
قد يكون من أبرز ما فعلته الفلسفة الأولى أنها أسَّست للتحيُّز عبر إقامة أفهامها لحركة الإنسان في التاريخ على مبدأ الهوية والانتماء. ولأن الإنسان كائن مدني بالطبع، فإن مدنيتَه وحاضريته في التاريخ الاجتماعي لا تستوي إلا بميثاق مبرمٍ مع الجماعة، وبهذا يصير محالًا عليه أن يحقق هذا الميثاق وهو يبتغي الحياد سبيلًا إليه.
معنى (بهل) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ميتافيزيقا المحايدة، الحياد حضور عارض، والتحيُّز هو الأصل (3)
محمود حيدر
اختيار الزوجين بثقافة ووعي (4)
الشيخ مرتضى الباشا
مناجاة المريدين (4): وإيّاك يعبدون
الشيخ محمد مصباح يزدي
قدم صدق
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
التجارة حسب الرؤية القرآنية
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشّعور بالذّنب المزمن من وجهة علم الأعصاب
عدنان الحاجي
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
ذكر الله: أن تراه يراك
السيد عبد الحسين دستغيب
الإمام السابع
الشيخ جعفر السبحاني
إلى سادن السّماء
أسمهان آل تراب
الإمام الحسين: أنيس سدرة المنتهى
حسين حسن آل جامع
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان