مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ علي رضا بناهيان
عن الكاتب :
ولد في عام 1965م. في مدينة طهران وكان والده من العلماء والمبلغين الناجحين في طهران. بدأ بدراسة الدروس الحوزوية منذ السنة الدراسية الأولى من مرحلة المتوسطة (1977م.) ثم استمرّ بالدراسة في الحوزة العلمية في قم المقدسة في عام 1983م. وبعد إكمال دروس السطح، حضر لمدّة إثنتي عشرة سنة في دروس بحث الخارج لآيات الله العظام وحيد الخراساني وجوادي آملي والسيد محمد كاظم الحائري وكذلك سماحة السيد القائد الإمام الخامنئي. يمارس التبليغ والتدريس في الحوزة والجامعة وكذلك التحقيق والتأليف في العلوم الإسلامية.

شهر رمضان شهر المغفرة

إن شهر رمضان شهر المغفرة، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (فَإِنَّ الشَّقِيَ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيم) (الأمالي للصدوق، ص 193). فيود الجميع أن ينتهزوا أيام هذا الشهر ولياليه ليحصلوا على الحد الأقصى من فوائده وبركاته. فإن حرم استجابة الله أحد من الناس، لا يهتدي بعد إلى طريق نجاة بسهولة. فمن أجل ازدياد استفادتنا من هذا الشهر العظيم، ومن أجل أن نزداد شعورًا بأهمية هذا الطريق الذي يجب أن نسلكه.. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إِنَّ حَبْراً مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إسْرَائِيلَ عَبَدَ اللَّهَ حَتَّى صَارَ مِثْلِ الْخِلَالِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ فِي زَمَانِهِ قُلْ لَهُ وعِزَّتِي وجَلَالِي وجَبَرُوتِي لَوْ أَنَّكَ عَبَدَتَنِي حَتَّى تَذوبَ كَمَا تذوب الألية في القِدْرِ مَا قَبلْتُ مِنْكَ حَتَّى تَأْتِينِي مِنَ الْبَابِ الَّذِي أَمَرْتُكَ) (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص 203).

 

وكذلك روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (مَرَّ مُوسَى بن عِمْرَانَ ـ عليه السلام ـ بِرَجُلٍ وهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعُو اللَّهَ فَانْطَلَقَ مُوسَى فِي حَاجَتِهِ فَبَاتَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ وهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ يَا رَبِّ هَذَا عَبْدُكَ رَافِعٌ يَدَيْهِ إِلَيْكَ يَسْأَلُكَ حَاجَتَهُ ويَسْأَلُكَ الْمَغْفِرَةَ مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا تَسْتَجِيبُ لَهُ قَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا مُوسَى لَوْ دَعَانِي حَتَّى يَسْقُطَ يَدَاهُ أَوْ يَنْقَطِعَ لِسَانُهُ مَا اسْتَجَبْتُ لَهُ حَتَّى يَأْتِيَنِي مِنَ الْبَابِ الَّذِي أمَرْتُه) (المحاسن، ج 1، ص 224).

 

فما هذا الباب الذي يجب أن نعبد الله عن طريقه وإلا فلن تجدي عبادتنا نفعًا مهما تعبدنا؟ وليت شعري ماذا وأين هذا الباب الذي مهما عملت واستغفرت لن ينظر إليك أحد؟، ولكنك إن جئت من هذا الباب سوف يغفر الله لك بأدنى عمل! لا بد لنا أن نقرّ بكلتا الحقيقتين وهذا ما يحتاج إلى دقة من جانب وإلى صفاء الباطن من جانب آخر.

 

الإمام الصادق (عليه السلام): ذلل نفسك باحتمال من خالفك ممن هو فوقك

 

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (ذَلَلْ نَفْسَكَ بِاحْتِمَالِ مَنْ خَالَفَكَ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَكَ ومَنْ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا أَقْرَرْتَ بِفَضْلِهِ لِئَلَّا تُخَالِفَهُ). (الكافي، ج 15، ص 554). يمكن أن يكون هذا الأعلى و(من هو فوقك) هو الأب والأم في البيت أو الضابط في المعسكر، أو الرئيس في الدائرة. طبعًا من المعلوم أن امتثال أمر الأعلى مشروط بأن لا يخالف أمره أمر الله. وقد جاء هذا الشرط في القرآن بعد ما أمر بالإحسان بالوالدين. {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8]، {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15].

 

لابد أن نذل أنفسنا لله بجهاد النفس

 

في سبيل أن ننال المقام الذي خلقنا من أجله، لابد أن تذل أنفسنا، ولا طريق إلى إذلال النفس سوى مجاهدتها ومخالفتها. إن جهاد النفس ومخالفتها يقتضي وجود أمر من هو فوقنا. وهذا هو (الطريق الوحيد)... كما أن الإنسان مجبور على مجاهدة نفسه شاء أم أبى. ولكن لابد للإنسان أن يجاهد هوى نفسه ليذلّ لله سبحانه ويصل إليه. لا يمكن للإنسان المتكبر أن يصل إلى الله ما دام متكبرًا. فإن طريق الوصول إلى الله هو التذلل، يعني أن يقضي الإنسان على أنانيته ليستطيع السير نحو الله عز وجل.  

 

ولكن يبدو أنه إذا تركت النفس مع ربها، فسيعتريها العجب والغرور شيئًا فشيئًا، ثم ترى أنها ذو مقام وشأن رفيع، فلم تعد ذليلة مقهورة، ولم تزل (الأنا) في مقابل الله. لذلك قد لا تحصل حالة الذل والخشوع في مقابل الله عبر العلاقة المباشرة مع الله. إن حبط عمل إبليس الذي قد عبد الله ستة آلاف سنة ينبئ بأننا حتى وإن عبدنا الله ستة آلاف سنة بشكل مباشر، مع ذلك قد لم تذل أنفسنا لله بهذه العبادة.

 

أهمية الذلّ لله

 

في موضوع أهمية ذل النفس لله، حري بالإشارة إلى الحديث المروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) حيث قال: (أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى مُوسَى ـ عليه السلام ـ أَنْ يَا مُوسَى أَتَدْرِي لِمَ اصْطَفَيْتُكَ بِكَلَامِي دُونَ خَلْقِي. قَالَ يَا رَبِّ وَلِمَ ذاكَ. قَالَ فَأَوْحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي قَلْبَتُ عِبَادِي ظَهْراً لِبَطْنٍ فَلَمْ أَجِدُ فِيهِمْ أحَداً أَذَلَّ لي نَفْساً مِنْكَ يَا مُوسَى إِنَّكَ إِذَا صَلَّيْتَ وَضَعْتَ خَدَّكَ عَلَى التَّرَابِ) (الكافي، ج 2، ص 123).

 

طريق الذل لله هو الإقرار بأفضلية ولي الله

 

ما هو الطريق؟ إذا ما أردت أن تجد إلى الله المتكبر سبيلاً، فلابد لك من التذلل. هذه هي فلسفة جهاد النفس وهي أن تلوي عنق نفسك. ولكنك إن عمدت إلى إرغام نفسك، يأت الله إليك بوليه ويفرض عليك أن تقر بكونه أفضل منك. ومضافًا إلى الإقرار بأفضلية ولي الله عليك، لابد لك أن تستلم أوامر الله عن طريقه، وأن تخضع لأوامره الخاصة أيضًا كما تخضع لأوامر الله.

 

إن الأحاديث القدسية التي تنقل عن الله أنه لا يقبل عبادة العابد وتوبة التائب مهما حاول وسعى وحتى لو ذاب كذوب الشحم في القدر أو كسرت يداه وقطع لسانه ما لم يأت الله من الباب الذي أمره، هذا الباب هو باب الولاية التي يجب أن نستلم أحكام الله عن طريقه.

 

سبب هلاك إبليس هو الكبر على ولي الله / سبب غفران آدم (عليه السلام)، التواضع لولي الله

 

قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): (عصى الله إِبْلِيسُ، فَهَلَكَ لِمَا كَانَ مَعْصِيَتُهُ بِالْكِبْرِ عَلَى آدَمَ وعَصَى اللَّهَ آدَمُ بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ، فَسَلِمَ ولَمْ يَهْلِكُ لِمَا لَمْ يُقَارِنُ بِمَعْصِيَتِهِ التَّكَبُرَ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ الطَّيِّبِينَ، وذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: يَا آدَمُ عَصَانِي فِيكَ إِبْلِيسَ، وتَكَبَّرَ عَلَيْكَ فَهَلَكَ، ولَوْ تَوَاضَعَ لَكَ بِأَمْرِي، وعَظَمَ عِزَّ جَلَالِي لَأَفْلَحَ كُلَّ الْفَلَاحِ كَمَا أَفْلَحْتَ، وأَنْتَ عَصَيْتَنِي بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ، وبِالتَّوَاضُعِ لِمُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ تُفْلِحُ كُل الفلاح) (الاحتجاج للطبرسي، 1 / 53).

 

إذا كان الخوض في الشهوات قبيحًا، فإن الصلاة بلا ولاية قبيحة أيضًا

 

إذا كان الخوض في الشهوات والفسق والفجور قبيحًا لكون الإنسان المنحدر في هاوية الشهوات يعمل بما يحب، كذلك الصلاة قبيحة بلا ولاية، لأنها تعبّر عن عبادة منسجمة مع هوى الإنسان المتكبر على ولي الله، وحري بالذكر أنه قد ارتكب المصلون بلا ولاية جرائم لم يرتكبها حتى الكفار. لقد التزم الكفار والمشركون ببعض الأصول والقيم في تعاملهم مع سبايا المسلمين، ولكن تعالوا إلى كربلاء لتروا المصلين الذين جردوا دينهم عن الولاية فلم توقفهم أي قيمة وأي حرمة في ارتكاب الجرائم على أطفال الحسين (عليه السلام) فضلا عن الكبار. ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد