علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
عن الكاتب :
مرجع شيعي كبير،عضو مجلس الخبراء ورئيس المجلس القضائي سابقاً

المعالم الفكريَّة والعلميَّة لمدرسة السَّيِّد الشَّهيد محمَّد باقر الصَّدر(قده)

 

الشمول والدقة

لا يمكن لأحد إنكار ما لسيِّدنا الشَّهيد الصَّدر(قده) من دور في ترسيخ دعائم المدّ الإسلامي الظَّافر، وإسهام في إرساء قواعده على الصعيدين الفكري والعملي، في العالم الإسلامي أجمع، وفي العراق على وجه الخصوص، حتى توّج حركة الإسلام ببذل دمه الزاكي، فكان بحق سيِّد شهداء عصره، أسوةً بجدِّه سيِّد الشُّهداء(عليه السلام). لذلك فاستيعاب أبعاد عظمة هذا العالم الربَّاني، لا يتيسَّر لأحدٍ في مثل هذه الدِّراسة المقتضبة، ولكن ذلك لا يعفينا من التعرُّض لأبرز معالم مدرسته العلمية والفكرية، التي أنشأها، وخرَّج على أساسها جيلاً من العلماء الرساليين والمثقَّفين الواعين، والعاملين في سبيل اللَّه المخلصين.. رغم قصر حياته الشريفة التي ابتلاه اللَّه فيها بما يبتلي به العظماء من الصدِّيقين والشهداء والصالحين.                       

وفي ما يأتي أهمّ مميِّزات هذه المدرسة التي ستبقى رائدة وخالدة في تاريخ العلم والإيمان معاً..

 

١ـ الشمول والموسوعيَّة

                                               

اشتملت مدرسة شهيدنا الراحل على معالجة كافة شُعَب المعرفة الإسلاميَّة والإنسانيَّة. فهي متعدِّدة الأبعاد والجوانب، ولم تقتصر على الاختصاص بعلوم الشريعة الإسلاميَّة من فقه وأصول فحسب، رغم أنَّ هذا المجال كان هو المجال الرئيس والأوسع من إنجازاته وابتكاراته العلميَّة، فاشتملت مدرسته على دراسات في الفقه، وأصول الفقه، والمنطق، والفلسفة، والعقائد، وعلوم القرآن، والاقتصاد،

والتاريخ، والقانون، والسياسة الماليَّة والمصرفيَّة، ومناهج التعليم والتربية الحوزويَّة، ومناهج العمل السياسي وأنظمة الحكم الإسلامي، وغير ذلك من حقول المعرفة الإنسانيَّة والإسلاميَّة المختلفة.

                       

وقد جاءت هذه الشموليَّة نتيجة لما كان يتمتع به إمامنا الشَّهيد من ذهنيَّة موسوعيَّة عملاقة، يمكن اعتبارها فلتة يحظى بها تاريخ العلم والعلماء بين الحين والآخر، والتي تشكل كل واحدة منها على رأس كل عصر منعطفاً تاريخيَّاً جديداً في توجيه حركة العلم والمعرفة وترشيدها. فلقد كان، رحمه اللَّه، آية في النبوغ العلمي، واتساع الأفق، والعبقريَّة الفذَّة. وقد ظهر نبوغه منذ طفولته، وبداية حياته، وتحصيله العلمي، كما شهد بذلك أساتذته وزملاؤه وتلاميذه، وكل من اتصل به بشكل مباشر، أو التقى به من خلال دراسة مصنَّفاته وبحوثه القيِّمة.

 

٢-  الدقَّة في البحث والتحليل، وشمولية المعالجة

 

من النقاط ذات الأهميَّة الفائقة في اتصاف النظريَّة، أيَّة نظريَّة، بالمتانة والصحَّة مدى ما تستوعبه من احتمالات متعدِّدة، وما تعالجهُ من جهات شتَّى مرتبطة بموضوع البحث. بالإضافة إلى التبويب المنطقي المتناسب مع الموضوع المعالج، وهذه الخصيصة هي الأساس الأوّل في انتظام الفكر والمعرفة في أيِّ باب من الأبواب، بحيث يؤدِّي فقدانها إلى أن تصبح النظريَّة مبتورة، ذات ثغرات ينفذ من خلالها النقد والتفنيد للنظريَّة. وهذه الدقة في البحث العلمي، كانت من أهم ما ميَّز بحوث السَّيِّد الشَّهيد (قده) وظهرت بدرجة عالية في جميع ما كتبه، فلم يكن يتعرَّض لمسألة من المسائل العلميَّة، سيما في الأصول والفقه إلا ويذكر فيها من الصور والمحتملات ما يبهر العقول، وهذا ما نجده في حلقاته الأصوليَّة وبحوثه الأخرى، ونذكر منها على سبيل المثال: مباحث القطع، فقد اشتملت هذه المباحث على نكات دقيقة وتخريجات جديدة لم يُلْتَفت لها من قبل.

                       

وقد ظهرت هذه السِّمة العلميَّة وهذه الخصيصة كذلك في أحاديثه الاعتياديَّة، فعندما كان يتناول أي موضوع، ومهما كان بسيطاً واعتيادياً، يصوغه صيغة علميَّة،

ويخلع عليه نسجاً فنياً ويطبعه بطابع منطقي مستوعب لجميع الاحتمالات والشقوق، حتى يخيَّل لمن يستمع إليه أنه أمام تحليل لنظريَّة علميَّة تستمدُّ الأصالة والقوة والمتانة من مسوِّغاتها وأدلَّتها المنطقيَّة.

 

فصلية المنهاج / العدد ١٧

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد