قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ جعفر السبحاني
عن الكاتب :
من مراجع الشيعة في ايران، مؤسس مؤسسة الإمام الصادق والمشرف عليها

الحكم أمانة

إنّ تشكيل الدولة وانتخاب الحاكم الأعلى، حقّ اجتماعيّ للأمّة ولها أن تستوفي هذا الحق متى شاءت وأرادت وهذا يعني أنّ الحكومة (أمانة) عند الحاكم تعطيها الأمّة له، وعليه أن يحرص على الأمانة غاية الحرص، ويواظب على أدائها أشدّ المواظبة.

 

أقول: إنّ هذه الحقيقة تستفاد من بعض الآيات والأحاديث العديدة التي تصف الحكم بأنّه أمانة، ومنها قول الله سبحانه: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء : 58 ـ 59).

 

إنّ الخطاب في قوله سبحانه (يَأْمُرُكُمْ) موجّه إلى الحكام بقرينة قوله (وَإِذَا حَكَمْتُم) وهذه قرينة على أنّ الأمانة المذكورة هي: الحكومة.

 

ويؤيّد كون المراد من الأمانة هو (الحكومة) ما جاء في الآية الثانية من الحثّ على إطاعة الله وإطاعة الرسول وأولي الأمر، فمجيء هذه الآية عقيب الآية المتضمنة لكلمة الأمانة، يؤيّد أنّ المراد بالأمانة المذكورة هو (الحكومة) وأنّ الكلام في الآيتين إنمّا هو حول (الحكومة) وما لها وما عليها من الحقوق والواجبات.

 

ثمّ إنّ الاستدلال بهذه الآية يتوقف على كون المراد من أهل الأمانة هو «الناس» فعندئذ تدل الآية على أنّ الحكومة نابعة من جانب الأمّة، وإن كانت نابعةً من جانب الله بالأصالة، وهي أمانة بيد الحاكم، ووديعة في عنقه، يطلب منه أداؤها. غير أنّ من الممكن أن يكون المقصود من أهل الأمانة هو (الله) سبحانه وتعالى، فإن الحكومة له لا غير كما قال في كتابه الكريم: {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ} (يوسف : 40) فعندئذ لا يتمّ الاستدلال بالآية على المطلوب، ولكنّ الإجابة عن هذا الاحتمال واضحة، فإنّ الحكومة حقّ ذاتيّ لله تعالى، ولا يعني من كونه حقّاً للناس أنّه حقّ أصيل لهم في قبال كونه حقّاً لله سبحانه، بل المراد أنّه حقّ أعطاه الله سبحانه له.

 

وبعبارة أخرى: ليس المقصود أنّ للشعب سيادةً وحاكميّةً في عرض السيادة والحاكميّة الإلهيّة، بل هما حقّان من نوعين، أحدهما حقّ مستقل وذاتيّ، والآخر حقّ تبعيّ موهوب، وهما لذلك يجتمعان دونما تضادّ وتباين، ولا منافاة بين أن يكون أهل الأمانة هو الأمّة أو الله سبحانه.

 

وممّا يؤيّد القول بأنّ المراد من (أهلها) هو الناس، ما ورد في هذا الصدد من الأحاديث التي يستفاد منها كون (الحكومة) أمانة في عنق الحاكم، أو أنّ الحكّام خزّان الرعيّة ومؤتمنون على الحكومة، ومسؤولون عنها، إلى غير ذلك من النصوص التالية:

 

يقول الإمام عليّ (عليه السلام) لأحد ولاته: «إنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنّه في عنقك أمانة وأنت مسترعىً لما فوقك ليس لك أن تفتات في رعيّة» (1) ويقول (عليه السلام) أيضاً: «أيّها الناس إنّ أمركم هذا ليس لأحد فيه حقّ إلاّ من أمرتم، وإنّه ليس لي دونكم إلاّ مفاتيح مالكم معي» (2) ويقول الإمام (عليه السلام) أيضاً: «أنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنّكم خزّان الرّعيّة ووكلاء الأمّة» (3).

 

ويؤيّد ذلك أيضاً ما روي حول الآية عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقّ على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوه، وأن يجيبوه إذا دعوا» (4).

 

فهذه العبارات صريحة في كون الأمّة هي صاحبة الأمانة، التي هي الحكومة والسيادة، لأنّ الحكام حسب هذه النصوص ليسوا إلاّ حفظةً للسلطة وحراسها... وخزاناً لها لا أصحابها. ويؤيّد ذلك أيضاً، أنّ الروايات والأحاديث تضافرت من أهل البيت: حول الآية، وهي تفسرها بالإمامة التي يجب على كلّ إمام أن يؤدّيها إلى الإمام الذي بعده.

 

ففي تفسير البرهان في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ... إلى آخر قوله تعالى...} عن زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز وجل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ...} فقال (عليه السلام): «أمر الله الإمام أن يؤدّي الأمانة إلى الإمام الّذي بعده ليس له أن يزويها عنه، ألا تسمع قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ} هي الحكّام يا زرارة، إنّه خاطب بها الحكّام» (5)

 

نعم، إنّ الجمع بين المعنى (وهو كون المقصود من الأمانة هو الحكومة التي تسلمّها الأمّة إلى الحاكم) والمعنى الثاني (الذي روي عن أهل البيت من أنّ المقصود هو أداء كلّ إمام الإمامة إلى من بعده) يحتاج إلى تأمّل ودقة تفكير.

 

ويؤيّد ما ذهبنا إليه، أنّ المفسر الإسلاميّ الكبير الطبرسيّ فسّر (الأمانة) في الآية بأنّ المراد هو (الفيء وغير الفيء) الذي يجب إيصاله إلى الأمّة، أصحابها مرويّ بطرق كثيرة عنهم: 

 

الحقيقيين وهو داخل في موضوع الحكومة، وأعمالها وصلاحياتها ومسؤوليّاتها ويقول: (ومن جملتها (أي من جملة الأمانات) الأمر لولاة الأمر بقسم الصدقات والغنائم وغير ذلك ممّا يتعلّق به حقّ الرعيّة) (6)

 

ويؤيّد ذلك أيضاً أنّ الإمام الباقر محمّد بن عليّ (عليه السلام) قال في ذيل هاتين الآيتين: «آيتان إحداهما لنا، والأخرى لكم» (7)

 

وعني الإمام بالأولى قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ...} وبالثانية قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا}

_____________________

(1) نهج البلاغة : الرسالة رقم (5) .

(2)  الكامل لابن الأثير 3 : 193.

(3)  نهج البلاغة : الرسالة رقم (515).

(4) الأموال لأبي عبيد : 12 ، 388.

(5) تفسير الميزان 5 : 385 نقلاً عن البرهان قال العلاّمة الطباطبائيّ : وصدر هذا الحديث.

(6 و7) مجمع البيان 63:2.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد