
بين تصوُّرنا للإنسان ومعرفتنا بحقيقته بونٌ شاسع.. التصوُّر هو اصطياد للحقيقة وتقييد لها بحسب سعة وإمكانات أدوات الفكر. كثيرة هي الأفكار التي نرثها دون أن نتفكّر فيها أيضًا ثم نطلقها على الحقائق فتقيدها. نكوّن تصوراتنا عن الإنسان مما نتلقاه أو نتوصل إليه بحركة الفكر المشوبة بمحدودياتنا، رغم أنّنا في أعماقنا نعرف حقيقة الإنسان ولا نتصورها! هكذا يجري النزاع بين المعرفة والفكر؛ وتكون المشكلة في هذا النزاع أنّه يحصل بطريقة غير واعية عند الأكثرية.
نتصور الإنسان محدودًا في قدراته وخياراته وروحه. المحدودية تعني حصر خياراته وإرادته أيضًا.
نحب إنسانًا ما، لكن، إذا توجهنا إلى أنّه محدود في خياراته يزول هذا الحب، وقد يتحول إلى نفور. تصور لو أنّك أحببت إنسانًا لِما شاهدت منه من تفضُّلٍ وإحسانٍ إليك، ثم اكتشفت بعد مدة أنّه كان مضطرًّا في خدمته لك؛ شيء ما سيعتريك ويجعلك تنفر مباشرةً. هذا الأمر يشبه ما لو أحب الإنسان رجلًا آليًّا لم يعرف أنّه كذلك لشدة شبهه بالإنسان من جميع الوجوه، أو أحبه من خلال التواصل الشفهي معه فقط، كما تُبين أحداث فيلم "هير"(her). لا يوجد أيُّ مانعٍ عقلي من حصول مثل هذا الأمر.
يتصل بك أحدٌ ثم يتحدث معك بلهجةٍ محبَّبة ويحاورك في جميع القضايا التي تهمُّك وتشعر أنّه يفهمك جيدًا ويحترمك ويبادلك القناعات. من الطبيعي هنا أن تنجذب إليه. وبعدها يتبين أنّك كنت تتحدث إلى آلة مبرمجة بالذكاء الاصطناعي. يتوقف حبك هنا مباشرةً؛ لا لأنّك كنت تطمع بمطارحته الفراش، وإن كان هذا مُتصوَّرًا، لكن لأنّك اكتشفت أنّه لا يملك الإرادة في كل ما أظهره لك من مشاعر وقناعات.
فكرة أن يكون هذا الشخص مبرمجًا يتّخذ مواقفه ويُصدر أفعاله بحسب ما حُدِّد إليه سلفًا هي التي تجعلك تنفر بعد أن كنت تُحب. الأمر الوحيد الذي يجعلنا نحب أي كائن هو اعتقادنا بأنّه غير محدود في خياراته أو إرادته.
من الطبيعي أن يُحب الأطفال ألعابهم طالما أنّهم لم يُحيطوا بها؛ هذه هي الطفولة. جزءٌ منهم يقول لهم إنّ هذه الدمية فيها إنسانية أو محاكاة للإنسانية.
سر الحب يكمن في وجود هذا الغموض أو المجهول أو اللاتناهي. لعل التعبير الأخير هو الأدق. الفارق الجوهري بين الإنسان والآلي هو أنّ الأخير معروفٌ سلفًا بأنّه مُبرمج على الأفعال وردات الفعل حتى لو كانت كثيرة جدًّا.
لا شك بأنّ الآلي كلما ازداد تعقيدًا صعب اكتشاف حقيقته، لكن في النهاية سنُدرك أنّه محدود في خياراته (وهذا هو معنى البرمجة). حين يتم اختراع آلي يتعلم بنفسه (التعلّم الآلي الذاتي) ربما سيزول آخر فارق جوهري بين الإنسان والآليين. سيُدخلنا مثل هذا الاختراع في جدلية معقدة. فرغم أنّه مُبرمج، لكن حتى الـمُبرمِج نفسه لا يعلم كيف ستكون خياراته لأنّه سيتعلم ذاتيًّا. ومع ذلك تبقى هنا نقطة مهمة وهي أنّ كل ما سيتعلمه هذا الآلي سيكون نتاج المحدودين جملةً، وإن تفوق عليهم منفردين! مثل هذا الأمر لا يمكن تجاوزه مع الآلات خصوصًا.
رغم أنّنا نخلق بشرًا من خلال التزاوج، لكنّنا منذ الأشهر الأولى من حياة أبنائنا ندخل معهم في تجربة من المجهول. نراهم نسخة عن طباعنا كآباء، لكنّنا نتفاجأ أيضًا بالكثير ممّا يصدر منهم ولا يمكننا أن نتنبأ به. هذه المجهولية التي تحكي عن إرادة خاصة غير متصلة أو نابعة منّا (كما يحصل مع الآليين) هي التي تجعلنا نحبهم. هذا هو سر الحب الأعظم.
إن قلتَ شيئًا مضحكًا فضحك صاحبك تفرح. تبادل الضحك سر الفرح. لكن إن علمت أنّه ضحِك تصنُّعًا ربما يتحول الأمر إلى حزن وسخط. تريد لضحكه أن ينبع من مكانٍ عميق لا رائحة للجبر فيه، أي أن يضحك من إرادته.
هذه الإرادة التي ننسبها إلى المخلوقين هي في الواقع إرادة الله تعالى أو روح الله المبثوثة فينا. نحن كبشر محدودون، لكن في أعماقنا يوجد سر اللاتناهي.
نحن في الحقيقة لن نحب إلا الله؛ وحين نحب المخلوق فذلك لأنّه محل ظهور هذه الإرادة الإلهية، حتى لو كنا غير واعين لهذه الحقيقة.
لذلك نقول إنّ الحب لا يكون إلا لله تعالى، وحبنا للمخلوق يكون فقط لأنّه مظهر لله. إنسانية الإنسان هي في قوله تعالى "ونفخت فيه من روحي".[1]
بالعودة إلى المخلوقات، كيف نفسر هذا الحب العجيب عند الإنسان الغربي للكلاب؟ في الواقع إنّه ليس حبًّا للكلاب، بل هو حبٌّ لكلبه. فرقٌ كبير بينهما، وإن كان يجمعهما الاحترام للكلاب عمومًا. لكن الواحد منهم لا يحب كلب جاره حتى لو كان مشابهًا تمامًا لكلبه. يصعب التمييز بين كلبين من فصيلة واحدة؛ ومع ذلك تجد هذا الغربي يحب كلبه حبًّا جمّا ولا يعني له كلب جاره الشبيه بكلبه شيئًا. وسر ذلك أنّ هذا الكلب قد أصبح مظهرًا لإرادته هو. فلو حصل أحدهم على كلبٍ غير مطيع، يعصيه في كل ما يطلبه منه لما تحمّله لحظةً واحدة. عشق الكلاب عندهم يرجع إلى ما يُعبَّر عنه بالوفاء؛ والمقصود من الوفاء هو الطاعة والانقياد. لذلك كان حب الكلب حبًّا للنفس والذات في الحقيقة.
ــــــــــــــــــــ
[1]. سورة الحجر، الآية 29.
الرياء وموقف العرفان من النية والعمل
الشيخ شفيق جرادي
نفسك أمانة (1)
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
كن سببًا لنجاح ابنك وتألّقه
عبدالعزيز آل زايد
معنى (عصى) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
الفيض الكاشاني
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (3)
محمود حيدر
مدى تأثير الأوضاع الماليّة للأسرة في نموّ دماغ الرضيع وتطوّر قدراته الإدراكيّة؟
عدنان الحاجي
من آثار فتنة الجمل
الشيخ محمد جواد مغنية
مقام العقل السّامي
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}
الشيخ مرتضى الباشا
الإمام الصادق: مستودع أسرار العلوم
حسين حسن آل جامع
أفق من الأنوار
زكي السالم
تجلّـيت جلّ الذي جمّـلك
الشيخ علي الجشي
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خارطةُ الحَنين
ناجي حرابة
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
الرياء وموقف العرفان من النية والعمل
نفسك أمانة (1)
كن سببًا لنجاح ابنك وتألّقه
فيتامين شائع قد يساعد في حماية رئتيك من تلوّث الهواء
معنى (عصى) في القرآن الكريم
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (3)
مدى تأثير الأوضاع الماليّة للأسرة في نموّ دماغ الرضيع وتطوّر قدراته الإدراكيّة؟
شرح سورة الفاتحة
أربعة من شعراء المملكة، يزيّنون أمسيات مهرجان الشّارقة للشّعر العربيِّ