علمٌ وفكر

جهاز نانوي يُنتج كهرباء مستمرّة من التّبخّر

ترجمة: محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

 

ابتكر المعهد الفيدرالي السويسري للتقنية في لوزان (EPFL) جهازًا نانويًّا يُنتج تيارًا كهربائيًّا مستقرًّا ذاتيًّا من تبخّر الماء المالح، وذلك باستخدام الحرارة والضوء للتحكم في حركة الأيونات والإلكترونات.

 

وكان باحثون في مختبر علوم النانو لتقنية الطاقة (LNET) التابع لكلية الهندسة في المعهد الفيدرالي السويسري للتقنية في لوزان قد نشروا سابقًا منصة لدراسة التأثير الكهرومائي (HV)، وهي ظاهرة تسمح بتوليد الكهرباء عند تمرير سائل فوق سطح مشحون لجهاز نانوي. وتتكون منصتهم من شبكة سداسية من أعمدة نانوية من السيليكون، تشكل الفراغات بينها قنوات لتبخير عينات السائل.

 

وقد طوّر فريق مختبر علوم النانو لتقنية الطاقة، بقيادة البروفيسور جوليا تاليابو، هذه المنصة إلى نظام كهرومائي ذي قدرة إنتاجية تضاهي أو تتجاوز التقنيات المماثلة، مع ميزة رئيسية. وبدلاً من الاعتماد على الحرارة والضوء لزيادة التبخر فحسب، يُولّد نظام المعهد الفيدرالي السويسري للتقنية في لوزان التيار الكهربائي بتسخير الحرارة والضوء للتحكم في حركة الأيونات في الماء المالح المتبخر، وتدفق الإلكترونات في جهاز السيليكون النانوي.

 

ويوضح الباحث طارق أنور من مختبر علوم النانو لتقنية الطاقة: “ستؤثر اختلالات الحرارة والضوء دائمًا على الجهاز الكهرومائي، لكننا اكتشفنا كيفية استغلالها لصالحنا”.

 

وبفضل ثلاث طبقات منفصلة مخصصة للتبخّر، ونقل الأيونات، وجمع الشّحنات الكهربائية، يسمح تصميم الجهاز النانوي المنفصل للعلماء بمراقبة كلّ خطوة من خطوات العملية وضبطها بدقة. وقد نُشر البحث في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” (Nature Communications).

 

تسخير تأثير طبيعي

 

عادةً، عندما نفكر في تأثير الحرارة والضوء على التبخر، نفهم أنّ الطاقة الحرارية تُسرّع تحوّل الماء إلى بخار. وقد ركّزت الدّراسات السابقة على هذا التأثير في مجال حصاد الطاقة عالية الجهد، لكنّ باحثي المعهد الفدرالي السويسري للتقنية في لوزان (EPFL) أدركوا أن إنتاج الطاقة المتسارع الذي لاحظوه لم يكن ناتجًا عن التبخر وحده.

 

ونظرًا لأن جهازهم النّانوي مصنوع من شبه موصل سيليكوني، فإن الإلكترونات بداخله تُثار بواسطة فوتونات ضوء الشمس، بينما تُعزز الحرارة الشحنات السالبة على سطحه.

 

وفي الوقت نفسه، يتسبّب التبخّر الناتج عن الحرارة في طبقة من الماء المالح فوق الجهاز النّانوي في تحريك الأيونات، مما يُحدث فواصل بين الشحنات الموجبة والسّالبة. ويُولّد هذا الفصل للشّحنات عند السّطح الفاصل بين السّائل والصلب مجالًا كهربائيًّا يدفع الإلكترونات المُثارة عبر دائرة كهربائية متصلة، مُنتجًا الكهرباء.

 

وتقول البروفيسور تاليابو: “يوضح عملنا أنه بسبب تأثير الشحنة السطحية هذا، فإن إضافة ضوء الشمس والحرارة يمكن أن تعزز إنتاج الطاقة بمقدار 5 أضعاف. لقد كان هذا التأثير الطبيعي موجودًا دائمًا، لكنّنا أول من قام بتسخيره”.

 

طاقة مستمرة ومستقلة

 

يؤكد الباحثون أن نظامهم، بالإضافة إلى الجهد العالي وكثافة الطاقة الممتازة (1 فولت و0.25 واط/م² على التوالي)، يوفر ميزة توليد الكهرباء بشكل مستمر ومستقل.

 

وتقول البروفيسور تاليابو: “في الأجهزة ذات الجهد العالي، يؤدي تحسين الأداء عبر مدخلات الحرارة والضوء إلى تدهور المواد بمرور الوقت، خاصة في ظروف المياه المالحة. في المقابل، تُغطى الأعمدة النانوية في جهازنا بطبقة أكسيد لضمان أداء مستقر في ظل الحرارة والضوء، وللحماية من التفاعلات الكيميائية غير المرغوب فيها”.

 

كما سمح تقسيم الجهاز إلى ثلاث طبقات للفريق بتطوير نموذج لتفسير ملاحظاتهم وتحسين إنتاج الطاقة من خلال تعديل بنية الأعمدة النانوية وتركيز الملح.

 

ويعمل الفريق حاليًّا على تطوير أدوات لدراسة هذه الظواهر في الوقت الفعلي أثناء تجربة مدخلات الحرارة والضوء عبر جهاز محاكاة شمسي.

 

ويعتقد الباحثون أن ابتكارهم سيسرع من تطوير الأجهزة الكهرومائية، التي تتمتع بإمكانات كبيرة لتشغيل شبكات استشعار صغيرة لا تحتاج إلى بطاريات في أي مكان تتوفر فيه المياه والحرارة وضوء الشمس. وتشمل الأمثلة أنظمة مراقبة بيئية ذاتية التشغيل، وأجهزة قابلة للارتداء، وتطبيقات إنترنت الأشياء.

 

ويمكن الاطلاع على الورقة البحثية التي ألفها طارق أنور وآخرون، بعنوان “تعزيز توليد الطاقة الكهرومائية من خلال ديناميكيات الشحنة السطحية المقترنة بالحرارة والضوء”، المنشورة في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” (2026).  الرابط: http://DOI: 10.1038/s41467-025-68261-8.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد